موقع الدكتورة رقية المحارب » الدروس والمحاضرات » الأحداث اليوم من مرآة سورة يوسف

موقع الدكتورة رقية المحارب :: الأحداث اليوم من مرآة سورة يوسف
05 - جماد ثاني - 1432 هـ| 09 - مايو - 2011شارك معنا

الأحداث اليوم من مرآة سورة يوسف

حينما نقرأ الأحداث بعيدا عن القرآن نعيش في منىء عن التوجيه الرباني ونضيع على أنفسنا التجارب والخبرات التي يمكن أن تختصر علينا الطريق وتجنبنا كثيرا من المنزلقات الخطرة، وبالتالي فإن التضحيات ستكون موجهة. ففي قصة يوسف التي قصها علينا القرآن أخبرنا الله أنها ليست مجرد قصة للتسلية بل هي دروس وعبر (ما كان حديثا يفترى ولكن تفصيل الذي بين يديه وهدى ورحمة)يعني أن الأحداث التي تمر بنبيه سيجد تفصيلها في تلك القصة وستكون العبرة بها وتأملها هدى له ورحمة يجنبه الله بها كثيرا من الأخطاء. كيف لنا أن نستفيد من تلك القصة في أحداث اليوم ؟ نقرأ الآيات ونكررها ونقف ونتأمل ونعيد القراءة للآية ، ثم نستخلص العبر، نحلل الموقف القرآني ثم نحلل الموقف المعاصر، ونضع النتيجة، هل الموقف مشابه؟ نعم ! إذن كيف تصرف النبي المسدد من رب العالمين ؟ وما المعطيات التي كانت عنده؟ هل عندنا مثل تلك المعطيات ؟ نعم ! إذن نتصرف كما تصرف. ليس عندنا تلك المعطيات ! نسعى لإيجادها أو نقاربها! هذا هو البعد الذي سيجنبنا كثيرا من العثرات وسيوصلنا للنتائج الأفضل والأنجع لمشكلاتنا. المحطة الأولى)السجن) الصبر على السجن، لقد مكث يوسف سنين مسجونا بلا ذنب ولا خطيئة، وعلمه السجن الصبر، والتأمل والقوة وضبط النفس، فحين جاء رسول الملك ليسأله عن الرؤيا كان قادرا على الإجابة! لكن هل جاء رسول الملك من فراغ؟ أبدا! لقد صنع لنفسه مكانة بتأويل رؤى السجناء حتى عرف عنه التأويل وصحة الفهم! وخلال فترة السجن لم يعرف أفضل منه فعلى السجناء أن لا يقفوا مكتوفي الأيدي في سجنهم ويهملوا صنع مستقبلهم ومستقبل الأمة . وأنت ترى أن الخروج من السجن رغم أنه مطلب مهم عند يوسف عليه السلام وكان حريصا عليه حتى قال للسجين موصيا بالوساطة(اذكرني عند ربك) يعني الملك! لكن مع هذا لما جاءه الرسول يسأل عن الرؤيا لم يقل لن أعبر لكم حتى أخرج! وحين عبر الرؤيا وجاء الملك يطلبه للقائه وليكرمه لم يستجب مباشرة بل قال (ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن) فلم يستغل المواقف استغلالاً أحمق ، بل يأخذ كل موقف بقدْره ويُرتِّب له؛ وكان يوسف واثقاً من براءته ، ولكنه أراد ألاَّ يكون الملك آخر مَنْ يعلم . ليعلم أن المملكة تلك كانت تدار بالظلم دون علم الملك ، ولم يحمل يوسف على الملك رغم أنه هو من أمر بسجنه لعلمه أنه كان مضللا! فبراءة الساحة من التهمة مطلب قبل أن يكون الخروج مطلبا! ومن الوجهة الأخرى فكم في السجن من مظاليم فعلى من ولي الأمر أن لا يكتفي بظواهر التهم بل عليه أن يبذل كل جهد ليصل للحق وأن يستعين بالقوة التي منحه الله إياها بجعله على سدة الحكم. وليست القضية هي البراءة فقط بل كم في السجن من أعوان ومخلصين وأصحاب مبادئ لو وزنوا بكثير من الوزراء والمستشارين لرجحت كفتهم فكم منهم يخلص ديانة لا مطامع له شخصية أبدا ولو كانت له مطامع لما دخل السجن فهو يعرف من أين تؤكل الكتف! فيوسف أنقذ الملك والدولة المصرية كافة بإخلاصه وفهمه وإدارته، وكم ظل ملك مصر محروما في سلطانه من هذه العينة من الناس الذين لا يقدرون بثمن، وعلى الملوك أن تستفيدوا من هؤلاء المساجين خاصة في أزماتهم التي تكشف غالبا عن خيانات المقربين والمنتفعين وحين يتأخر إطلاق المساجين والنظر في تهمهم ربما تكون الكارثة لأن الإجراء لم يتزامن مع الأحداث! الحوار كان الوسيلة بين الملك والسجين فكم مرة تردد الرسول بين الملك ويوسف في البداية ثم تتمة الحوار بين الملك والأطراف الأخرى في التهمة ، ولعل تباعد العهد عن الجريمة يغير نفوسا ويصلحها فهذه امرأة العزيز المتحدية المقسمة على الإذلال ليوسف تتبرأ من فعلها وتعترف بالخطيئة، وهؤلاء النسوة الكاتمات للحق يعدن للشهادة به بعد مضي بضع سنين فلماذا يرمى بالمتهم سنين لا يعاد النظر في أمره ولا تتجدد محاكمته، وهل الحكم قرآن منزل ألم يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار! المحطة الثانية: الهدف الأساس لدى العالم والداعية هو إصلاح الناس بعيدا عن حظوظ النفس، لذا فالفرصة إذا سنحت لنفع الناس تقاصرت عندها المطامع الشخصية ونسيت الحقوق الفردية، في يقين تام أن الذي أعمل له وحدي يعمل لي بكل الكون ولذا أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله (فتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده) وهنا نلحظ كيف تصرف يوسف عندما صار له حظوة قال (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) وهذا كله بتدبير الله وتوفيقه. والعالم لا يقتصر على مطلب الناس فحسب بل يزيد عليه كل ما ينفعهم في شؤونهم فهاهو يوسف سئل الفتيا في الرؤيا وأفتى فيها ثم أعطى النصيحة والتوجيه الإداري والمالي لعلمه أن الناس بحاجة لذلك، ومع الإخلاص وصدق النية سيتبين كل من حولك ولو كانوا أعداءك أنك الأفضل والأصلح والأحسن نصحا.فرؤيا الملك تدل على سنين رخاء ويوسف أول ونصح بأن يترك من الحب في سنبله للسنين العجاف التي ستليها فكان بذلك إداريا ناجحا وضع لهم الخطة رغم أنه مثال للتوكل ليدلل على أن الأخذ بالأسباب لا يتعارض أبدا مع التوكل. المحطة الثالثة: نفصل كثيرا بين الروح والمحسوس وفي هذه القصة يترابط الاثنان جدا حتى لا يكاد ينفصل أحدهما عن الآخر من بداية السورة لنهايتها وفي ظل هذه الأحداث نحتاج إلى العودة لهذا الربط فالمتابع يجد أن الكثير من المحللين يجتنبون الربط بين أحداث اليوم وما جاء من الأخبار النبوية عن علامات آخر الزمان ولا يكثرثون بتأويل الرؤى ولا يعتبرون بمدلولاتها! وآخرون ينزلون الأحاديث على الأحداث جزما ويستسلمون تماما ويقولون إن يكن هذا آخر الزمان فسيخلق الله له رجاله ولا أدري لم لا يكونون هم رجاله.
زيارات المقال 5757 | مقالات الكاتب 154