موقع الدكتورة رقية المحارب :: نموذج رمضاني
شارك معنا

نموذج رمضاني

حدثتني إحدى الأخوات أنها اتفقت مع زوجها على جعل رمضان هذه السنة متميزاً في كل شئ. لقد قررا استغلال فترة ما بعد المغرب في جلسة أسرية مع الأولاد يتحادثون ويلهون، وقبل العشاء يستعدان للذهاب إلى المسجد لأداء صلاة العشاء والتراويح، وبعد التراويح يبدآن في برنامجهما الإيماني بمراجعة للحفظ أو صلة للأرحام أو غير ذلك، مع ملاحظة تدريس الأولاد وقت الإختبارات. ثم قبل الفجر يقومان بعض الليل ويتناولان السحور، وبعد الفجر في قرآءة للقرآن إلى طلوع الشمس. وبعد العصر في قرآءة للقرآن وراحة استعداداً للإفطار، كما اتفقا على عدم تخصيص رمضان بأنواع المأكولات بحيث تكون المائدة الرمضانية عادية بسيطة لا تستهلك وقتاً طويلاً، هذا نموذج من النماذج المضئية في مجتمعنا بحمد الله يدل على بقاء الخيرية في الناس وأن ارتباط رمضان بالقلب أكبر من ارتباطه بالمعدة. لقد كان الموفقون يعيشون رمضان كل العام، فستة أشهر بعده يسألون الله أن يتقبل منهم الصيام والقيام والصدقة والأعمال الصالحة الأخرى، وقبله بستة أشهر كانوا يسألون الله عز وجل أن يبلغهم إياه رغبة في مزيد الأجر وتكفير السئيات. كثير من الناس ينتظر موسم التخفيضات من أجل أن يوفر مالاً وهكذا كثير من أصحاب القلوب الحية يجدون في رمضان موسماً لتجديد الإيمان في النفوس والتزود من العمل الصالح وإضافة لرصيد الحسنات. والمفارقة العجيبة أن هناك من يجعل رمضان فرصة لإنتاج المسلسلات وغيرها حيث تظهر فيها النساء عاصيات لرب هذا الشهر الكريم، كما تبث من خلالها مفاهيم تزهد في الخير بل يصل الأمر إلى استهزاء بأحكام الشرع، كما يظهر التفنن في عرض الأغاني في استهتار بحرمة أفضل الشهور. هناك من ينتظر انتهاء الشهر على أحر من الجمر بينما نشهد بحمد الله من يترقب قدومه على أحر من الجمر، ويبكي حزناً على فراقه وهؤلاء هم الموفقون العلماء الذين تعيش أرواحهم جنة في الدنيا سعادة وهناء واطمئناناً. إن هذا الشهر فرصة ذهبية لمن أنار الله بصيرته لمراجعة كيف كانت السيرة ؟ وإلى أين وصلت المسيرة؟ ومجالاً عظيماً للتزود من الخير استعداداً للدار الآخرة، ومنحة ربانية تتيح التفاعل مع هموم المسلمين فعندما نجوع نحس بآلام الجائعين، وعندما نحرم بعض اللذائذ نستشعر احساس الفقراء ومعاناتهم اليومية في غير رمضان وهم يرون الأغنياء، وعندما نسمع القرآن كاملاً ندرك حكمة الله عز وجل وعظمته سبحانه ونصرته للمؤمنين الصادقين ونعلم السنن الربانية ونعيش مع قصص الأنبياء والظروف التي عاشوها فتمتلئ القلوب أملاً وتفاؤلاً. إنها المدرسة الرمضانية التي تخرج شخصيات متميزة ينتفع بها كل من خالطها، ولو علمت الأمة بكل فئاتها مكانة هذا الشهر وعملت بما يرضي ربها فيه لكان وضع المسلمين في العالم مختلفاً ولأدركت أن هيبة العالم لها هو بمقدار هيبتها لربها وتعظيمها لما عظم الله.
زيارات المقال 824 | مقالات الكاتب 154