موقع الدكتورة رقية المحارب :: من الذاكرة 1
26 - ربيع أول - 1431 هـ| 12 - مارس - 2010شارك معنا

من الذاكرة 1


الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير الأنبياء والمرسلين
حينما يمر على المرء سنين من عمره يتذكر مواقف طريفة وأخرى حزينة وأخرى بالغة الأثر تربي فيه معاني متنوعة وتصقل شخصيته ، وتبقى هذه الذكريات حاملة بين طياتها كثيرا من العبر والدروس ، والحق أن صاحب التجربة هو خير من ينتفع بها لكن لا يمنع ذلك من أن يشترك معه غيره في فهم العبرة ولذلك قص الله علينا قصص الأنبياء فقال سبحانه (( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين ) هود/ 120
ولا شك أن في سرد ما في الذاكرة ليس لكل ما فيها من حياة العامة مما اعتادوا عليه فهذا لا بدع فيه ولا فائدة ولكن المراد ما يقع فيه العجب مما يثري السامع أو يحقق له زيادة علم أو إيمان أو يقين أو يحبب إليه معروف أو يشجعه على تحصيل خير. ولعل الدافع لهذه الكتابة تلبية طلب عدد من الأخوات اللاتي يرغبون في ذكر قصة قلتها في مجلس وتناقلوها ويعيدون علي الطلب لأعيدها فله أكتب هذه المذكرات ، ولست أسرتها كوقائع تاريخية وإنما هي مواقف كان لها أثر في نفسي وسأعطي كل ذاكرة عنوان .
لقاء الحرم..
اعتمرت مساء يوم السادس والعشرين من رمضان في عام من الأعوام وكان الزحام شديدا لدرجة أني لم أسجد على الأرض في كل السجدات بل تارة أسجد على ظهر من أمامي ، ولك أن تتخيلي أنه لا يمكن في مثل هذا المكان والزمان يلتقي اثنان على موعد!
صليت المغرب وأخذت أستغفر الله وأردد أذكاري بصوت خافت ... وبينما أستعد للوقوف لمواصلة أداء مناسك العمرة إذا بالمرأة التي بجنبي تهمس في أذني ..أأنت رقية !!! تملكني العجب والحيرة فمع الزحام أنا مغطية الوجه فكيف عرفتني..
قالت : عرفتك من صوتك .. وكان عندي إحساس وأمل أن ألتقي بك .. وكنت دعوت ربي ألقاك.. زاد عجبي فالمرأة جاءت من بلد آخر .. عرفتني بنفسها .. وسر رغبتها في لقائي ..وهو أن مديرة المدرسة طلبت منها أن تدرس مادة القرآن واستخارت الله ولم تقبل التدريس حتى يجيزها أحد في القراءة. كانت المرأة ممن حضرن دروس المصلى حينما كنت أدرس التجويد فيه تلك السنين لذا رأت أنه لا بد أن أجيزها .. طلبت مني أن نذهب لزمزم لأجل سماع تلاوتها لكني اعتذرت بصعوبة الوصول وأصرت ..حتى قال جملة ما تزال تتردد في مسمعي: "لا  يفارق سوادي سوادك حتى تسمعي مني"
 فقلت اقرئي علي ..
قرأت وألفيت قراءتها جيدة!  فقلت لها توكلي على الله ودرسي!
 
العجيب أن هذه الأخت انصرفت .. ولم أرها أو أكلمها بعد ولم أرها ولم أكلمها قبل سوى أنها كانت تدرس في الكلية التي أدرس فيها .. تذكرت حين انصرفت قصة الإمام أحمد وإسحاق، حدث  عبدالله بن أحمد بن حنبل قال : لما انطلق أبي إلى المحنة خشى أن يجئ إليه إسحاق بن راهويه فرحل أبي إليه يعني ابن حنبل - فلما بلغ أبي إلى الري دخل إلى المسجد ، فجاءه مطر كأفواه القرب فلما كان العتمة قالوا له: أخرج من المسجد فأنا نريد أن نغلقه فقال لهم: هذا مسجد الله وأنا عبد الله فقيل له: بعد كرى الصناع ما أعطيناهم أيما أحب إليك تخرج أو نجر برجلك قال: فقلت: سلاما فخرجت من المسجد والمطر والرعد والبرق فلا أدري أين أضع رحلي ولا أين أتوجه فإذا رجل قد خرج من داره فقال لي: يا هذا إلى أين تمر في هذا الوقت ؟ فقلت: لا أدري أين أمر فقال لي: ادخل ! فأدخلني دارا ونزع ثيابي وأعطوني ثيابا جافة وتطهرت للصلاة فدخلت إلى بيت فيه كانون فحم وكبود ومائدة منصوبة قيل لي: كل ! فأكلت معهم فقال لي: من أين أنت ؟ قلت: أنا من بغداد فقال لي: تعرف رجلا يقال له أحمد بن حنبل ؟ فقلت: أنا أحمد بن حنبل فقال لي: وأنا إسحاق بن راهويه! فلعل صدق نية المرأة واستجابة دعائها جعلها تلتقي بي لتحقق رغبتها في تدريس لكتاب الله!  .
 
زيارات المقال 3562 | مقالات الكاتب 154