موقع الدكتورة رقية المحارب » مقالات » لم الحديث عن الحب ؟!

موقع الدكتورة رقية المحارب :: لم الحديث عن الحب ؟!
28 - ربيع أول - 1431 هـ| 14 - مارس - 2010شارك معنا

لم الحديث عن الحب ؟!


·لأنه ملح الحياة , ولا أحد يملك القدرة على العيش من دونه و قبل الإنطلاق لا بد أن تعلمي أن الله عز وجل أحق من تصرف له المحبة ..
·النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها , تأملي ولله المثل الأعلى لو أن شخص يحسن إليك , بفطرتك ستحبينه وستأتمرين بأمره وستبتعدين عن كل ما يكره , ولا محسن على الحقيقة سوى الله عز وجل , نتقلب في نعم تترى منه جل في علاه , فهل أدينا شكرها حق الأداء !!
قال تعالى /7وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ /8
 وقال /7وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا /8
·النفوس إذا أحبت شيئاً تعلقت به , والقلب إذا أحب الله وتعلق به وحده , ونفض عنه غبار التعلق بالمخلوقين , عاش صفي السريرة مرتاح البال ,
يقول ابن القيم – رحمه الله - :- " المؤمن المحب المخلص لله , من أطيب الناس عيشاً , وأنعمهم بالاً وأشرحهم صدراً , وأسرهم قلباً , وهذه جنة عاجلة قبل الجنة الآجلة , وفي الحديث " أحبوا الله من كل قلوبكم "
فمتى امتلأ القلب بمحبة الله محا ذلك من القلب كل ما سواه , ولم يبق للعبد شيء من نفسه وهواه , ولا إرادة إلا لما يريد منه مولاه , فحينئذ لا ينطق العبد إلا بذكره , ولا يتحرك إلا بأمره, فإن نطق نطق بالله, وإن سمع سمع بالله, وإن نظر نظر بالله .
ولنا في ذلك نماذج مشرفة لقلوب تعلقت بالله ..
-إبراهيم عليه السلام .. إبراهيم سأل ربه أن يهبه ولداً صالحاً فوهبه الله إسماعيل , فأخذ هذا الولد شعبة من قلبه , فغار الخليل على قلب خليله , فجاء وقت الامتحان ﴿النحل: ٧٨﴾ , قال تعالى حاكياً الموقف /7فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ  قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴿١٠٢﴾فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴿١٠٣﴾ وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ ﴿١٠٤﴾ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا  إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿١٠٥﴾ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ﴿١٠٦﴾/8
إبراهيم عليه السلام نجح في الاختبار , كذلك الموقف الآخر له , حينما كادوا له قومه وأشعلوا النيران , وأعدوا له المنجنيق حتى يلقى على مرأى من الناس , مربط وعريان حتى تكمل الإهانة النفسية , يأتيه جبريل عليه السلام ويقول له :- يا إبراهيم ألك بحاجه ؟
فيقول:- أمام منك فلا وأما من الله فنعم ( حسبي الله ونعم الوكيل ) فكان جزاؤه /7قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ /8
-موسى عليه السلام .. حينما أوحى الله إليه ليلاً بالخروج , فعلم بذلك فرعون فلحق بهم , قال الله /7فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴿٦١﴾ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ /8
فكان جزاؤه /7فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ /8
-      محمد صلى الله عليه وسلم .. ((إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِه لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )) فكان جزاؤه /7فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا  وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ /8
السؤال المهم .. ما الذي يحول بيننا وبين هذه المنزلة العظيمة ؟!
يقول ابن القيم " اعلم أن القلب إذا خلا من الاهتمام بالدنيا والتعلق بما فيها من مال أو رئاسة , وتعلق القلب بالآخرة والاهتمام بها من تحصيل العدة , والتأهب للقدوم على الله عز وجل , فذلك أول فتوحه وتباشيره , فعند ذلك يتحرك قلبه لمعرفة ما يرضي به ربه , فيفعله ويتقرب به إليه , وما يسخطه عليه فيجتنبه , وهذا عنوان صدق الإرادة " .
فأول الطريق للخير هو أن نطرد هذه الدنيا من قلوبنا وتأملي قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث العظيم الذي صححه ابن حبان يقول " إذا أحب الله عبداً حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء "
والدنيا حقيرة لا تساوي عند الله جناح بعوضه .
قال الله عنها /7وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء/8 يقول القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية العظيمة " إنما شبه تعالى الدنيا بالماء لأن الماء لا يستقر في موضع كذلك الدنيا لا تبقى على حال واحدة ، ولأن الماء لا يبقى ويذهب كذلك الدنيا تفنى، ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتل كذلك الدنيا لا يسلم أحد دخلها من فتنتها وآفتها ، ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعا منبتا وإذا جاوز المقدار كان ضارا مهلكا وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع وفضولها يضر "
ويقول تعالى وهي وصية الرب عز وجل لنا من فوق سبع سماوات /7وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْك /8
يقول عثمان رضي الله عنه " إنما أعطاكم الله الدنيا لتطلبوا بها الآخرة ولم يعطيكموها لتركنوا إليها "
ويقول الحسن البصري رحمه الله ( رحم الله أقواماً كانت الدنيا عندهم وديعة , فأدوها إلى من ائتمنهم , ورحلوا من الدنيا خفافاً )
وأبسط مثال على حقارة هالدنيا , وأنها عند الله ليست غالية ولا عزيزة أنها تنتهي بنفخة يقول تعالى /7وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ /8
ما الذي سيحصل إذا أحبني الله ؟!
أسوق لك حديثاً صحيحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه " إن الله إذا أحب عبداً نادى ياجبريل إني أحب فلاناً فأحبه فيحبه جبيريل , ثم ينادي في أهل السماء إن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض " وفي رواية " إن الله تعالى إذا أحب عبداً نادى يا جبريل إني أبغض فلاناً فأبغضوه فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه فيبغضه أهل السماء ثم
توضع له البغضاء في الأرض "
تأملي أول الحديث " إن الله إذا أحب عبداً " مين اللي يحبك !!
الله جل جلاله وتقدست أسمائه يحبك أنت الأمة الضعيفة الفقيرة إليه!!! ثم يحبك جبريل روح القدس , ملك مكلف بالوحي والمهمات الصعبة , ثم يحبك أهل السماء كلهم , الأنبياء في السماء يحبونك , الملائكة في السماء يحبونك , كم عدد الملائكة في السماء ؟؟
يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث " يطوف في البيت المعمور سبعين ألف ملك كل ليلة لا يعودون إلى قيام الساعة "
والحديث الآخر الذي يرويه أبو ذر قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة ((هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ )) حتى ختمها ثم قال " إني أرى ما لا ترون , وأسمع ما لا تسمعون , أطت السماء وحق لها أن تأط , ما فيها موضع أربع أصابع , إلا وملك ساجد وملك قائم "
ثم يوضع لك القبول في الأرض , وهذا مصداق قول أحد السلف وهو هرم بن حيان قال" ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب عباده إليه حتى يرزقهم وده "
فهناك أناس وضع الله لهم القبول ولقاء واحد بهم كفيل بحبهم /7إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا /8
تاقت النفوس لمعرفة الأسباب التي تجلب لنا محبته سبحانه ..
هي خطه رسمها لنا ابن القيم رحمه الله , هي عشرة أسباب إذا عملنا بمقتضاها بإذن الله سنصل إلى درجة المحبوبية بعد المحبة ..
الأسباب الجالبة لمحبة الله عز وجل :-
1.  قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه .
2.  التقرب إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض .
3.  دوام ذكر الله على كل حال " فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من الذكر " .
4.  إيثار محاب الله على محاب النفس وغلبات الهوى .
5.  مطالعة القلب لأسماء الله وصفاته .
6.  مشاهده بر الله وإحسانه .
7.  انكسار القلب بين يدي الله تعالى .
8.  الخلوة وقت النزول الإلـهي " قيام الليل "
9.  مجالسة المحبين الصادقين .
10.       مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل .
الخاتمة ..
الحياة مع الله هي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات ، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات ، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام ، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام ، تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة، إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب، فليس الشأن أن تحبي الله ، ولكن الشأن كل الشأن أن يحبك الله فيوفقك لطاعته ..
يقول ابن القيم " من أحب شيئاً غير الله عذب به ولا بد "
زيارات المقال 3212 | مقالات الكاتب 154