موقع الدكتورة رقية المحارب » مقالات » الأسرة والمجتمع » التفكك الأسري: أسبابه ومظاهره

موقع الدكتورة رقية المحارب :: التفكك الأسري: أسبابه ومظاهره
شارك معنا

التفكك الأسري: أسبابه ومظاهره

الحمد لله الذي جعل لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، والذي جعل لنا من أنفسنا أزواجاً لنسكن إليها وجعل لنا من أزواجنا بنين و حفدة ورزقنا من الطيبات. وصلى الله على الرحمة المهداة الذي أخرجنا الله به من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام. أما بعد: فيطيب لي قبل أبدأ هذا التعليق أن أبين حقيقة ينبغي أن ندركها ونعمل بها إن كنا حقاً مسلمين. هذه الحقيقة هي أن الإسلام بشرائعه التي نص عليها في الكتاب والسنة الصحيحة هو منهج الحياة الصحيح الأوحد، الذي يتحرر فيه البشر من عبودية البشر، لأنهم يتلقون المبادئ والقيم والشرائع والقوانين والنظم والأوضاع والتقاليد من الله تعالى، فإذا أحنوا رؤوسهم فإنما يحنونها لله وحده، وإذا أطاعوا الشرائع وعملوا بها فإنما يطيعون الله وحده، وإذا خضعوا للنظام فإنما يخضعون لله وحده ومن ثم يتحررون من عبودية العبيد للعبيد، وهذا هو مفرق الطريق بين الجاهلية في كل صورة من صورها -مهما تحضرت- وبين الإسلام. ومفهوم أن كل أمر أو نهي أو توجيه ورد في القرآن كان يواجه حالةً واقعة في المجتمع الجاهلي والحكم عام والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، مع ملاحظة أن النصوص القرآنية جآءت لتعمل في كل جيل وفي كل بيئة، وهنا تكمن المعجزة. وإن الشؤون الأسرية لمن الشرآئع التي نصت عليها الآيات بالتصريح سواءاً كان في مسائل الإرث أو الشهادة أو النكاح أو الطلاق أو التكافل أو الولاية. وإن مسائل النساء لمن أهم النظم التي اعتنى بها وجاءت سورة كاملة في القرآن باسم النساء. وقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على الحفاظ على تركيبة الأسرة ابتدآء من نشأتها. فالزواج عقد بين قلبين، ووصل بين نفسين ومزج بين روحين وتقريب بين جسمين فإذا تراخت عراه بين القلبين وفقدت حكمة الله في السكن والرحمة، جاء دور الإصلاح فإذا فشل فالله أرحم بعباده أن يكلفهم ما لا يطيقون من أن يجتمع قلبان لم يأتلفا، وروحان لم يتعارفا، وطبعان لم يتحدا. ولذلك شرع الطلاق للرجل والخلع للمرأة ليستريح إليه من ضاق ذرعاً بصاحبه، وجعل قبل ذلك مراحل علاجية كمد الأجل بالمراجعة، وتوسيع العصمة إلى الثلاث حتى يمكن الرجوع إلى العشرة الطيبة، مع ربط كل ذلك بالتقوى في جميع مراحله ، ومنع إخراج المرأة من البيت إلى ثلاثة أشهر ومنعها هي أيضاً من الخروج ( لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) ومع هذا سمى الله للمرأة النفقة والاحترام (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً)فتقترب بعد البعد وتحن بعد الهجران، لا سيما إن كانا تحت سقف واحد. ولما ابتعدنا عن الشريعة الربانية ودخل علينا التهاون في تنفيذها على أنفسنا وفي مجتمعنا ظهرت فينا آفات المجتمع كالتفكك الأسري بجميع صوره (الطلاق، التعليق، الميل إلى بعض الأزواج والأولاد وترك بعض، التهرب من المسؤولية وترك النفقات، تشرد الأولاد…الخ). وفيما يلي بعض الأسباب التي أراها أساسية: أولاً: الاختلاط بين الجنسين بجميع صوره وأشكاله سوآء في البيوت والمدارس والمطاعم أو ربط الجنسين بحلقات وصل بحجة التعارف عبر الهاتف والقنوات والإنترنت و أبواب التعارف في المجلات وغيرها، وكم دمر هذا من أسر وشتت من أولاد. يعيش الرجل مع زوجته وتعيش معه سعيدين أنيسين بينهما أولادهما في صورة من المودة والرحمة. ثم يختلط مع زوجة صديقه المتبرجة السافرة ويحادثها ويخلو بها فتنشأ بينهما نظرات ومن ثم يتاح للقلوب فرصة التعلق والغرام فيعشقها وتتعلق به ولا تسألي ماذا يجري بعد ذلك من مواعيد و فتنة وخراب بيوت. وقد حذرنا ربنا من دخول الرجال على النساء دون أن يكون في البيت أحد من المحارم مع لزوم الحجاب فقال: (وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب) وعلل ذلك بعلة واضحة وهي طهارة القلوب وصفاؤها من التعلق بأزواج إخوانهم مما يفسد عليهم حياتهم فقال( ذلك أطهر لقلوبكم وقلوبهن). والإحصائيات الصادرة من الدول الأجنبية تشهد أن الاختلاط يتسبب في الطغيان الجنسي فربع طالبات المدارس الثانوية حبالى والبكارة مفقودة في الجميع، حتى أن التعليمات أصدرت بإنشاء غرف للولادة في كل مدرسة. ولكن يأبى أعدآؤنا إلا أن يجرونا إلى حال الغرب ومجتمعه المنهار المتفكك فيدندنوا ليل نهار على الاختلاط وأنه رمز التحضر والمدنية يقول أحدهم:"إن المرأة في مصر وتونس ولبنان متحضرة إذ يمكن مقارنتها إلى حد كبير بالمرأة في أوروبا في نمط الحياة". ومن تقرير اليونسكو عن المرأة في العالم العربي يصرح أحد قادة التطور الاجتماعي أن الأنماط المعيشية الغربية اعتبرت على الدوام أعلى شأناً بل هدفاً مقصوداً. مما يفهم أن التحرر على الطريقة الغربية هو المثل الأعلى الذي ينبغي أن تسعى إليه المرأة العربية. فهل نموذج المرأة الغربية جدير بالاحتذاء فعلاً؟ولماذا هذا الاحتفال بكل ماهو غربي؟ هل الفكر الذي حول المرأة إلى ألعوبة ومبآءة جنسية جدير بالإتباع؟ هل النموذج الذي تغتصب فيه امرأة كل ثلاث دقائق جدير بالإتباع؟ هل النموذج الذي يسود فيه أطفال غير شرعيين بنسبة كاسحة جدير بالإتباع؟ هل المجتمع الذي يعيش أفراده بنسبة 60% متعاشرين بلا زواج وأسر مستقرة جدير بالإتباع؟ ثانياً: من أسباب تفكك الأسر إشاعة الفاحشة في المجتمع وما يمهد لها من التكسر والخضوع بالقول والتميع في الكلام والكم الهائل من الأفلام والأغاني المحرضة على الفساد والسعي إلى إثارة الغرائز بكل وسيلة عبر ما يبث من القنوات الفضائية وما ينشر في المجلات وما يثار من دعوة إلى الحب قبل الزواج بحجة التعارف. إن كثيراً من حالات الطلاق حدثت بسبب زهد الرجل في زوجته التي هي أقل جمالاً مما يراه في هذه القنوات. وليس صحيحاً أن عدم نظر الرجل إلى المرأة بحرية يجعله يكون متلهفاً إلى رؤية أي امرأة كما يزعم أدعياء التحرر، بل على العكس إن كثرة الإباحية تزيد من جرائم الإغتصاب والزنا والطلاق وهذا من بدهيات المعارف والواقع المنحرف أكبر شاهد عليه. قد تظن إحدانا أن رفع الوصاية على البرامج يجعل الفرد واثقاً من نفسه وبالتالي يستطيع أن يميز بنفسه ما ينفعه وما يضره وهذه نظرة لا يؤيدها الواقع المعاش ولله تعالى أعلم بما يصلح شؤون خلقه وقد أمرنا بغض البصر والبعد عن دواعي الفتنة وحث على النهي عن المنكرات قال تعالى(ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً) فالنهي حتى عن الاقتراب. فكيف نعرض أنفسنا لدواعي الفاحشة ونبارك انتشارها في المجتمع ويسلم لنا بناء أسرنا؟ كيف نعرض الرجال للشهوة ونثير فيهم الغرائز ونؤججها حتى تصل منتهاها ثم نريد منهم أن يكونوا محافظين على زوجاتهم وبيوتهم. ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء ثالثاً:من أسباب التفكك الأسري: الدعوة الصريحة للتمرد والانحلال باسم الحرية الشخصية وإن كان هذا التمرد على أوامر الله تعالى ، وأعظم من ذلك وصف أحكام الله تعالى بالتقاليد البالية والسطحية أو الظلم والكبت. تصف احدى نساء مجتمعنا في رسالة لها المبادئ الإسلامية بأنها تعمل ضد مصلحة المرأة وتذكر من ذلك: قوامة الرجل على المرأة، شرط الولي لزواج المرأة، السفر بمحرم…وهذه الأحكام شرع الله، رده أو الطعن فيه، أو وصفه بالإجحاف أو القسوة يعد ردةً عن الإسلام، لأنه ردٌ لما علم من الدين بالضرورة ، وهذه أحكام نزلت فيها آيات صريحات واضحات، قال تعالى : (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) وقال:(إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) يعني الولي.والحديث عن القوامة يطول ولكنها لا تعني التسلط والقهر بل هي الرحمة والحنان والإنفاق والرعاية كما أنها لا تعني الترفع عن التعاون مع الزوجة في رعاية الأولاد وإدارة شؤون البيت، والمرأة حتى ولو استقلت مادياً فهي فطرياً بحاجة إلى قوامة الرجل بنص كتاب الله. وتذكر أخرى في مقالة لها: ضرورة أخذ المرأة لإذن وليها لها بالسفر ثم تتهكم على ذلك بأسلوب لا يليق بمسلمة ثم تقرر من عند نفسها أن هذه التناقضات تشوه وضع المرأة وتعكر جمال الصورة التي وصلت إليها، وهي في الوقت نفسه تناقضات منشؤها"العادة" وليس "العقيدة" زعمت! وأن الدين منها برئ… وهذه شنشنة نعرفها من أخزم. أيها الأخوات ألسنا نقرأ قوله تعالى"الرجال قوامون على النساء" ألسنا نعرف قوله صلى الله عليه وسلم:"لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم" وغيرها كثير. وقد يقرر غيرها أن الأمراض النفسية التي تصيب المرأة هي بسبب الإذعان لقيم المجتمع البالية التي منها طاعة الزوج والأب، والطاعة التي أمرت بها المرأة محدودة بحدود أن لا تكون في معصية وأن تكون قدر الطاقة وهي مع هذا كله مأجورة تعدل بطاعتها لزوجها عمل الصائم القائم المجاهد في سبيل الله. وهذه التوجيهات البعيدة عن الوحي المبارك التي نقرأها بين الحين والحين، أو نشاهدها في بعض البرامج والندوات الثقافية، لاشك تساهم في صناعة جيل متمرد على كتاب ربه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم يتجرع في مستقبل أيامه غصص الشقاء الأسري وعذابات التشرد الذهني. والمخرج من كل المآزق التي تتخبط بها الأسر في العالم كله هي العودة إلى دين الله المعجز بأحكامه ودراسة هذه الأحكام التي وضعت لصلاح الأسرة والتلقي للتنفيذ ففي هذا الاستقرار والحياة السعيدة للرجل والمرأة والصغير والكبير. نسأل الله أن يصلح شئوننا وينفعنا بما علمنا ويحمي مجتمعنا من دعاة التخريب والتغريب وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
زيارات المقال 1176 | مقالات الكاتب 154