موقع الدكتورة رقية المحارب » الدروس والمحاضرات » أخلاق القرآن-المجلس الرابع

موقع الدكتورة رقية المحارب :: أخلاق القرآن-المجلس الرابع
29 - جماد أول - 1431 هـ| 13 - مايو - 2010شارك معنا

أخلاق القرآن-المجلس الرابع


الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا وقدوتنا وحبيبنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه
أخواتي الحبيبات :
يطيب لنا  اليوم أن نكمل حديثنا عن أخلاق القرآن
كنا ختماه في الجلسة الماضية بالاستجابة ، وتحدثنا عن آخر هذا الموضوع وهو الاستجابة للهوى ونزعات الشيطان والشهوة التي يمليها إبليس الذي يزين للناس الفحش والفجور ومعصية الرحمن ، فكان لابد من خلق عظيم يكبح هذه الاستجابة، وذلك لعظمة خلق الاستجابة فكان لا بد لها من خلق آخر يعززها ويقويها وينميها ويشد أزرها ، ألا وهو خلق الصبر .
الصبر : هو حبس النفس .
ولذلك سمي رمضان شهر الصبر وهو حبس النفس عن الطعام والشراب والملذات المحرمة في الصيام .
وقد ذكر القرآن الصبر في أكثر من تسعين موضعا ، مرة جاء بالصراحة ، ومرة جاء بإلماح .
وجاء الأمر بالصبر للأنبياء ، وجاء الأمر بالصبر لأتباعهم من الأولياء ومن المؤمنين ، وقد أمر الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالصبر كما صبر الأنبياء من قبل ، فهو خلق نبوي يأتي به النبي ويهيأ عليه ويتكون عليه ، ولا يمكن أن يقوم بأداء رسالته بدون هذا الخلق ، ولذلك قال الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ )(الأحقاف , 35)
هذا مأمور بالصبر ؛ أي صبر ؟
الصبر المتناهي في الكمال .
مثل من ؟مثل ألوا العزم من الرسل .
وإذا لم يصبر المرء عما نهي عنه فإنه يخرج من أهل العزم من الرسل كما كان من آدم عليه السلام ؛ فإنه لم يصبر حينما أمره الله جل وعلا أن يصبر عن الأكل من الشجر ، وذلك بأن يصبر أو يستجيب لما نهاه عنه ، فكف النفس عن الأكل من الشجرة يعد صبرا ، وقد أكل من الشجرة آدم .
ولما أكل آدم من الشجرة خرج من دائرة أولي العزم من الرسل ولذلك يقول الله جل وعلا :(وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا )(طه , 115) وذلك لأنه أكل من الشجرة وأطاع إبليس كما جاء في قوله تعالى :(فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا)(الأعراف , 20) وكان جاءهما بطريقة التورع ،،،،،،
(وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ)(الأعراف , 20)وهكذا حال كل مغرٍ يغري بالشر ؛ يأتي به في ثوب الحسن والجمال ثم يقسم على أنه من الناصحين
(وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ )(الأعراف , 21) فهو قاسمهما ثم دلاهما بغرور (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ) (الأعراف , 22)
وهنا القضية العظمى وهي قضية الاستجابة في ...بماذا ؟
بزوال الصبر (وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ) (الأعراف , 22)
وعندئذ أدركا خطورة الأمر وتضرعا لله سبحانه وتعالى واعترفا بالذنب فكانت التوبة عليهما من الله جل وعلا ، ولكن لأجل ترك الاستجابة وقلة الصبر نزلا إلى الدنيا فكان ولا بد لأجل أن نرجع إلى الجنة مرة أخرى أن يتحقق عندنا خُلقان عظيمان هما أساس أخلاق الإسلام :
خلق الاستجابة وخلق الصبر
بلا استجابة ولا صبر لا نرجع إلى الجنة ؛ فإن آدم عاد خرج من الجنة باهتزاز الاستجابة ثم عاد إليها بالصبر ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى : ( قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (الأعراف , 23)
وهنا استجاب لهما الله سبحانه وتعالى وهكذا ينبغي أن نكون وأن نرجع إلى الجنة وأن نتمسك بهذين الخلقين : الاستجابة والصبر كما قال ابن القيم :
فحيّ على جنات عدن فإنها        منازلك الأولى وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو فهل ترى        نعود إلى أوطاننا ونسلم
فحن محتاجون إلى العودة إلى هذه الجنة التي حرمنا منها إبليس وأخرجنا منها بوسوسته وتلبيسه ؛ لا بد أن نستجيب لله تعالى ولابد من صبر على ذلك .
الصبر معانٍ يا أخوات : منها معنى العفة ؛ فإذا كان الصبر عن الشهوة كان عفة .
ومنها: ( من معاني الصبر ) الصبر على لقاء العدو في سبيل الله وهذا الصبر يسمى شجاعة .
ومنها: الصبر على البذل في سبيل الله ولأجل مرضاة الله (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) (الإنسان , 8-9)
وهذا الفعل من الصبر يسمى : كرما .
أما الصبر على البلاء : حينما يصاب الإنسان بالبلاء فإن هذا الصبر لا يتغير اسمه ، بل يسمى الصبر ؛
لماذا ؟
لما فيه من طعم المرارة ؛ فإن الإنسان إذا ابتلي بفقد حبيب ، فمهما يمنع نفسه من السخط ومهما يتعزى ويتقوى ويمتنع من مظاهر نهى الله عنها كالجزع وشق الجيوب ولطم الخدود والصراخ والعويل ، فإنه يجد مرارة بالصبر ؛ ولذلك يشترك الصبر هاهنا مع الصبر المطعوم فإنه هو أمر مشروب أو مطعوم
وهذا الصبر لم يتغير اسمه ؛ ولما كان هكذا جعل الله لمن يصبر لأجله ، ابتغاء وجهه الكريم ، جعل له جزاء ليس كمثله جزاء حيث قال :(إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر , 10)
فكان الصبر منزلة عظيمة عند الله جل وعلا ، وكان جزاؤه أفضل الجزاء .
وبلا الصبر لا يمكن أن يرجع المرء إلى الجنة ، بلا صبر على الضوء بالماء في الشتاء بالماء البارد لن يتوضأ العبد ، وبلا صبر على صلاة الفجر ليقوم العبد من أجل مرضاة الله جل وعلا فكيف يدخل الجنة ؟
وبلا صبر عن الطعام والشراب الذي يمتنع به العبد عن طاعة الشيطان ويبتغي به مرضاة الله جل وعلا بالصيام ، فكيف يدخل الجنة ؟
فهو إذا يصبر فإن الصبر على الأهواء والشهوات شهوات البطن وشهوات الفرج وشهوات الجوارح ، شهوة العين بإطلاقها بالنظر ، وشهوة اللسان بالحديث في كل شيء من غيبة ونميمة وتسخط وسخط وتشك وسخرية وغيرها ، بلا صبر على ذلك يقع الإنسان في كثير من الذنوب والخطايا ومنها الكبائر ومنها الصغائر .
وبلا صبر عن سماع المحرمات من قول الفحش والغنى والخنا وغير ذلك فلا يصح المرء حافظا لجوارحه ، وجوارحه تشهد عليه يوم القيامة ؛ ولذلك حث النبي صلى الله عليه وسلم على ما حثه الله عليه من الصبر وأرشده بالصبر وأرشد أمته صلى الله عليه وسلم بالصبر ، فقد أرشد الله نبيه وأمره بالصبر كما ذكرت لكم قبل قليل(فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) (الأحقاف , 35)
وكذلك أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم وأمر الناس أجمعين بالصبر فقال : (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ )(البقرة , 45) وكذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بالصبر وحثهم عليه ودعاهم إليه ، فجعل هذا الخلق هو الخلق الذي به يصلون إلى جنات النعيم .
أخواتي الكريمات :
إن الصبر عظيم الأثر ، وشديد الوطأة على النس ؛ بل هو مرٌّ كمن سمي عليه ( مثل ما سمي عليه ) الصبر مر
لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
الصبر هو أشد شيء مرارة ولذلك كانت مرارة الصبر الذي هو حبس النفس لأجل مرضات الله جل وعلا ؛ ولذا كان ،،، الوصول إلى جنات النعيم بالصبر ، وكان مما يعين على الصبر الصلاة ؛ حيث قال الله جل وعلا : (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ)(البقرة , 45) 
فما الذي يدفعنا أخواتي الكريمات إلى الصبر ويعيننا عليه ؟
نحن الآن نعرف أننا أمرنا بالصبر وحثنا الله عليه وحثنا نبينا صلى الله عليه وسلم ففي عجالة ، مالذي يعيننا على الصبر ؟
أولا : النظر في الموعود ، إذا نظرت إلى ما وعدت به صبرتِ ، يعني لو قيل لك وأنت جائعة ، وأمامك طعام يعني ما تشتهينه بالحيل ، وبعد ساعة سيقدم لك بوفيه كامل ما لذّ وطاب فلا تأكلين الآن ، اصبري شوي ،ساعة ثم ستأكلين ،
تخيلي : أنت معزومة عزيمة وعارفه إنك راح تروحين بوفيه ، وجاء أخوك شاري معه شندويشة فلافل هذا كبرها يمكن تشبعك يومين ، صح وإلا لا ؟
هل يمكن تأكليها قبل العزيمة ؟
لا ، ليه ؟
لأنك موعودة بشيء أحلا وأجمل وألذ ، فرؤيتك لما عند الله جل وعلا من جنان النعيم " مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " يجعلك تصبرين في حياتك الدنيا من أجل تحصيل تلك المحبة ، وأنت مدركة يقينا أنك ستصلين لها .
إذا هذا الأول : النظر في الموعود وهذا لابد أن تقرأي في نعيم الجنة في القرآن ونعيم الجنة في السنة .
يا حبذا تعملون بغض المحاضرات والدروس حول هذا لموضوع ، عن نعيم الجنة ؛ فإنه يشجع على الوصول لله .
الشيء الثاني : رؤية أصحاب الطريق معك في نفس الطرق يؤنسك ويقويك ،،،، إذا دواعي الصبر : الأنيس والجليس .
حينما تمشين في طريق وأنت وحدك ، وش اللي ينتابك يا أخوات ؟
ينتابك الخوف من أنا مخطئة في الطريق ، يمكن أنا أمشي غلط !
أيضا ينتابك الخوف من الأذى من اللصوص ومن قطاع الطرق ، لكن إذا كان معك مجموعة أنت تكونين آمنة وآنسه ، صح وإلا لا ؟
فأنت تكونين آنسة بمن معك ولذلك قال الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم : " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم في الغداة والعشي يريدون وجهه "
هذه واحدة ، جئت للمصلى ، مريت بكذا شله تحبينها وودك تجلسين معها لكنك هنا تجدين أنهم يعينونك على ذكر يعينونك على الطريق فلا بد إذا من السبب الثاني وهو : الأنس بالأحباب في الله .
الثالث: رؤية السابقين الأولين ممن ساروا ووصلوا ، ورؤية ما كانوا فيه وما صاروا إليه ، كالأنبياء والصحب الكرام والتابعين لهم وأتباعهم والعلماء الربانيين الذين قدموا وتفانوا ثم انتهوا إلى مرضاة الله جل وعلا .ويزيدك في ذلك ويساعدك عليه قراءة السير فإنها تشحذ الهمم ، وتقوي العزائم وتؤنس مع شدة وحشة الطريق .
الرابع : ترفيه النفس بين الحين والآخر ، فإن المنبت لا ظهرا أبقى ولا أرضا قطع فلذلك جاء ديننا بمراعاة هذا الجانب القصد ، القصد تبلغي .
وللحديث بقية وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين
سبحانك اللهم وبحمدك نشهد ألا إله إلا أنت
تم بحمد الله


 
زيارات المقال 3243 | مقالات الكاتب 154