موقع الدكتورة رقية المحارب » الدروس والمحاضرات » أخلاق القرآن -المجلس الخامس

موقع الدكتورة رقية المحارب :: أخلاق القرآن -المجلس الخامس
29 - جماد أول - 1431 هـ| 13 - مايو - 2010شارك معنا

أخلاق القرآن -المجلس الخامس


الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا وقدوتنا وإمامنا محمد بن عبد الله وعلى اله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
تحدثنا في الأسبوع الماضي عن خلق الاستجابة واليوم نتحدث عن خلق يرتبط بخلق الاستجابة ألا وهو خلق الإتباع
فما هو الإتباع يا ترى؟
الإتباع ماده أو تَبَعَ مادة تدل على الاقتفاء,فمعنى اتبعه يعنى افتفاه أو اقتفى أثره. والإتباع في الأصل اقتفاء أثر الماشي و المستأمن في العمل إن قال أتبع فلان يعني عمل بمثل عمله ويستعمل أيضا في امتثال الأمر و العمل بما يأمر به المتبوع ولو قولا ـ يعني لو قال المتبوع قولا دون فعله ـ فإن الفعل بقوله يعد إتباعا.
وأما في الاصطلاح : فمعنى الإتباع هو أن يتبع الرجل ما جاء به النبي صلى الله أو ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم من بعده من التابعين من خير القرون وقد قيدت السنة وكتبت وأمر الني صلى الله عليه وسلم باتباع ما جاء فيها.
أما هذا الخلق حيث هو خلق فإنه قد جاء به القران في معاني كثيرة حيث قال الله سبحانه وتعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (الأحزاب , 1-2)الشاهد هنا قول الله جل وعلا واتبع ما يوحى إليك من ربك يعني: تتبع أمر الله ونهي الله فاعمل بالأمر ودع النهي وهذا هو الإتباع.
وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم من أجل ذلك فسلك أفضل السبل (الصراط المستقيم) وهذا الصراط من سلكه هداه الله جل وعلا إلى جنات النعيم وإلى رضوان الله جل وعلا وهذا هو صراط الله يقول الله جل وعلا (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)(الشورى , 52) ماهو هذا الصراط؟ (صِرَاطِ اللَّهِ) ( الشورى , 53)إذا..هذا الصراط هو صراط الله جل وعلا (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) يعني إلى صراط هذا الصراط الذي هو  (صِرَاطِ اللَّهِ) جل وعلا هو شريعة الإسلام وطريقة الإسلام وكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فهو طريق الإسلام سواء كان ذلك الذي جاء به وحيا يتلى ـ قران ينزل من رب العالمين ـ أو كان سنة كما أخبر الني صلى الله عليه وسلم بها أو أمر بها وهذه السنة قد لا تكون قرانا يتلى ولما كانت هذه السنة بمثابة القران إذا ثبتت من حيث  وجوب العمل بها كان من لا يعمل بها أو يستقل العمل بها أو أنه يرى أنه لا يلزمه العمل بها كان منحرفا عن صراط الله والصراط المستقيم لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله (لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه )وهذا الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أصبحنا نراه واضحا نراه واقعا "من كتاب من مفكرين من عامه" فيقولون ما جاء في القران..
وهذه الشبهة قد جاءت من قبل في عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لما حدث عبد الله بن مسعود بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم  لعن الله النامصة و المتنمصة الحديث.. (قالت امرأة يا أبا عبد الرحمن مالك تلعن من لم يلعن الله وليس في كتاب الله,قال بل هو في كتاب الله, قالت: والله لقد قرأت  ما بين دفتي المصحف وما أرى ما تقول ـ طبعا هي لم تكن مستكبرة بل كانت تريد الحق تستفسر استفسار المتبع الراغب في الحق لا المكافح ـ قال والله لو كنت قرأت  لقد وجدتيه هو لا ينكر عليها أنها قرأت هي قرأت في الحقيقة لكن هو يقصد لو كنت قرأت على وجه.. على وجه ايش؟ على وجه  الفهم و الاستيعاب في الحقيقة "التدبر" ثم قال لها أوما قرأت قوله تعالى (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الحشر , 7 )إذا هذا القول قول عام يدخل فيه كل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يدخل ضمن هذا العموم كل ما جاء به يدخل ضمن هذه الاية وأولى متبع وأكمل متبع وأفضل متبع:هو النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك يا أخوات يقول له الله سبحانه وتعالى ( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا  )(الجاثية , 18)وهكذا هو خلق الأنبياء  ولذلك يقول الله جل وعلى لموسى على وجه المثل( فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا  ) (الأعراف , 145)إذا حتى الأنبياء مأمورون بالإتباع وبدون إتباع الأنبياء للشرائع فإنه لا يمكن أن يتبع الأتباع.
وهذا الذي جاءت به الرسل قاطبة على خلاف ما يأتي به المنحرفون من أعيان الصوفية و الرافضة وأصحاب المذاهب فإنهم يلزمون الأتباع بما لا يلتزم به السادة صح ولا لا.. فتجدين عند الرافضة يقدسون أعمال ويصرفون من أعمال ليست هذه الفعلة أو ليس هذا العمل من أعمال متبعيهم فيكون للمتبوع عمل ولـ التَابعي عمل وهذا خلاف ما جاءت به الأنبياء الدليل على ذلك في كتاب الله جل وعلا في سير الأنبياء ما هو قول شعب ( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ )(هود ,88)أنا إذا نهيتكم عن شيء وأمرتكم بشيء فأنا لا أخالفكم أنا ما أمرتكم به أتيته وما نهيتكم عنه انتهيت عنه فكون الإنسان يأمر بشي ولا يفعله أو ينهى عنه ويفعله فهذا يخالف خلق الأنبياء  الذي جاؤوا به من قبل.
وسمت النبي صلى الله عليه وسلم وهديه الذي يقتفى له أوجه:
الوجه الأول: الذي اجتمعوا عليه ـ اجتمع العلماء عليه ـ ما أنزل الله فيه نص من كتاب الله فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما نص الكتاب عليه .
والأخر: انزله الله جملة في كتابه فبين النبي صلى الله عليه وسلم  الجملة التي نزلت.
لو أردنا أن نمثل على الأول نمثل به مثلا في قضايا الإرث فإنها جاءت على وجه التفصيل والدقة صح ولا لا مثلا يقول الله سبحانه وتعالى( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ )(النساء , 11)  يقول الله سبحانه وتعالى ( وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ) (النساء , 12) الاية فهي دقيقه جدا لا تحتاج أي محمل اخر.
الأخرى جاءت مجمله ماجاء فيها تفصيل هل جاء تفصيل صلوا العصر أربع  صلوا المغرب ثلاث صلو الفجر اثنتين اقرؤوا في كذا سووا كذا لا ولكن جاء(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ) (ال عمران , 77) فجاء مجمل من الذي فصله لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم كيف فصله إما فصله بفعله أو فصله بقوله,الذي لا يتبع ما جاءت  به السنة ويقول ما نأخذ إلا ما جاء به القران فهذا مبطل لدينه بالكلية لماذا لأنه كيف سيصلي؟ كيف سيصوم؟ ولذلك من الحجج على من ينكر شيئا من الدين ..أن يقال له ألست تصلي كذا وكذا؟ كما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أين لك الصلاة بهذه الصورة يقول لك من السنة ..إذا كيف اتبعت السنة في الصلاة؟ وما اتبعت السنة في الحجاب وما اتبعت السنة في الاختلاط وما اتبعت السنة في كذا وما اتبعت السنة في كذا إذا كيف تفعل بهذا؟ الطريق المستقيم طريق واحد..
*وهاتان من الوجهان التي اتفقا عليهما ولم يخالفوا فيها.
الوجه الثالث :المختلف فيه ما تم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ليس فيه نص كتاب فمنهم من قال جعل الله له بما افترض من طاعته وسبق في علمه من توفيق لرضاه أن يسن فيه فيما ليس فيه نص كتاب قال هذا واجب الإتباع أيضا لأن الله جل وعلا جعل للنبي صلى الله عليه وسلم أن يسن ما ليس فيه نص كتاب,ومنهم من قال لم يسن سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب كما كانت سنته لتبيين عدم الصلاح أو عملها وكذلك وما لم يكن كذلك فليس واجب الإتباع وهذا هو المرجوح لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(ما نهيتكم عن شيء فدعوه وما أمرتكم فيه بشيء فأتو منه ما استطعتم).
 
نأتي لـ الترك والفعل أهما سواء في الإتباع ؟
نعم كما أنك مأموره بالفعل إتباعا فأنتي مأموره بالترك إتباعا فإذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم حكما أو ترك حكما فهو عبادة في حقها فهو عباده في حقنا إلا أن يقوم دليل على أن هذا الترك أو هذا الفعل مختص برسول الله صلى الله عليه وسلم والدليل على اختصاصه إما صريح وإما قرينة
من الصريح قول النبي صلى الله عليه وسلم عندما نهى عن الوصال, الوصال في الصيام يعني أن يصوم ويستمر صائما أكثر من وقت الفطر ممكن يستمر صائما إلى منتصف الليل مثلا, كان النبي صلى الله عيه وسلم ينهى عن الوصال ويقول:(إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني) هذه من اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم وهناك من اختصاص النبي ما جاءت الصراحة به في كتاب الله جل وعلا مثل قول الله جل وعلا(خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)(الأحزاب , 50)( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ) (الأحزاب , 51) وهكذا فهذه الخصوصية الخاصة للنبي صلى الله عليه وسلم التي جاء النص بها من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تخصه فلسنا نفعلها أما ما اختص به النبي صلى الله عليه وسلم بالقرينة فإنه ذكر العلماء أشياء اختص بها النبي صلى الله عليه وسلم واختلفوا في خصوصيته بها ولذلك تختلف أحيانا الأحكام في الإلزام بها وفي غيرها وفي كونها من خصوصيات وفي كونها عامة حسب فهمهم من قبل
خلاصة الأمر:
أن العبد مأمور بأن يتبع النبي صلى الله عليه وسلم وأن يتبع منهج الله وشريعته كما وردت في القران الكريم والسنة النبوية المطهرة لأن كمال الإنسان وترقيه لا يكون إلا بأداء العبادة التي شرعها الله جل وعلا وكل من أراد أن يشرع شرعا لم يشرعه الله جل وعلا فإنه متهم بالانحراف عن شرع الله لماذا؟ لأنه متنقص لدين الله فكونه يقول أفعل كذا بما لم يأتي عن الله كأنما يقول الفراغ اختياري وكأنه يتهم الشرع بدقيقه فهو يكمل هذا الشرع والشيطان يفرح كثيرا بهذا النوع ولذلك تنتشر البدع انتشار مثيرا والبدع تنتشر أكثر مما تنتشر في السنن لو ابتدع الناس بدعة وجدتيها تطير في الأفاق بسرعة لم؟ حب الناس للبدعة يعني مره من المرات سمعت واحده صائمه يوم اثنين قلت لها لم صائمة؟ قالت لأن هذا آخر اثنين في العام قلت وهل تصومين من كل العام قالت لا..بس هذا آخر اثنين من العام, بعد ذلك بسنة تقريبا جاءتني رسائل بالجوال تحث على صيام الاثنين باعتباره نهاية العام فكيف انتشرت هذه البدعة السريعة مع أنها اجتهاد من واحدة فقط اجتهاد فالناس تحب غير المألوف ولأن الناس تحب غير المألوف فالأفضل إحياء السنن المندثرة لأننا إذا أحيينا هذه السنن المندثرة أماتت بدعة من البدع
لأن الوقت شارف على الانتهاء فأختم بقضية الإتباع لأن الإتباع دليل محبة الله عز وجل ورحمته الدليل على ذلك قول الله جل وعلا(قل إن كنتم تحبون الله) ما لنتيجة؟ (فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم )وعندنا محبة منا لله ومحبة من الله لنا وليس الشأن أن نحب الله كل الناس يدعي حب الله ومنهم من يدعي حب الله ويحبه حقا بإتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم من يدي حب الله ولا يتبع رسوله الله صلى الله عليه وسلم فتكون دعواه محض دعوى فما الشأن إذا يا ترى؟ الشأن أن يحبنا الله ومتى يحبنا الله إذا اتبعنا أمره اتبعنا شريعة الله لأن النتيجة من إتباعنا هي محبه الله .
إذاً إذا أردت أن يحبك الله هل تحبين الله أو تتبعين أمره نعم ما قال الله إن كنتم تحبون الله سيحببكم الله وإنما قال: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي) ما قال الله إن أحببتم الله أحبكم الله لا.. ما قال الله أحبوني أحبكم وإنما قال ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ) (ال عمران)
إذا النتيجة للإتباع محبة الله إذا محبة الله نتيجة للإتباع وليس محبة الله نتيجة لمحبتنا له.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حبه وأن يفيض علينا بحب أوليائه وحب سنة نبينا صلى الله عليه وسلم واتباع هديه صلى الله عليه وسلم وأن نحيا عليها ونموت عليها ونبعث عليها من لم يحيا عليها لم يمت عليها ومن لم يمت عليها لم يبعث عليها وإذا جاء يوم القيامة وادعى محبة النبي صلى الله عليه وسلم أو ظن النبي صلى الله عليه وسلم انه من أتباعه فإنه يحال بينه وبينه ويقال له (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك وحينئذ تقوده البراءه فيقول سحقا سحقا لمن احدث) أشكركم على حسن استماعكم واسأل الله جل وعلا أن يبيض وجوهكم وان يعلي منازلكم وان يحيي قلوبكم وأن يستر عيوبكم وأن يرفعكم منازل في عليين وأسأله سبحانه وتعالى أن يهدينا وإياكم للصراط المستقيم وأن يرزقنا اتباع كتابه وأن يرزقنا تدبره
وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين.
تم بحمد الله
زيارات المقال 3306 | مقالات الكاتب 154