موقع الدكتورة رقية المحارب :: الخفافيش
شارك معنا

الخفافيش

الخفاش لا يمكن أن يتحمل النور ولذا تحلو له الحياة في الظلمة، يطير هنا وهناك، ويسعد بانعدام النور ويبتهج بالسواد، أعدى أعدائه النهار بضوئه، خفافيش أعشاها النهار بضوئه ووافقها قطع من الليل مظلم من صفاته كما ذكر الدميري في كتابه حياة الحيوان الكبرى أنه شديد الطيران سريع التقلب، ومن صفاته أيضاً ضعف بصره، ويشترك خفافيش الفكر من البشر مع هذا النوع من الطيور في كثير من أوصافه، فهي لا تتحمل الأماكن المضيئة بالفكر النير الصحيح، نهار الأفكار عدو لعتمة فكر الخفافيش، كما تتمنى القضاء على حملة المشاعل لأنهم أعداء للظلام كونها لا تعيش إلا في ضيافته. تتصف بسرعة التقلب وتغيير المبادئ بحسب المصلحة فمرة تحتفل بالقومية وأخرى بالشيوعية وثالثة بالوطنية ورابعة تتمسح بالإسلام وخامسة تنادي بالحرية المطلقة، أحسن ابن القيم رحمه الله في استعارة هذا المعنى وربطه بين الصنفين الخفاش الحيوان والخفاش الإنسان عند وصفه لذلك المعرض عما بعث الله تعالى به محمداً صلى الله عليه وسلم من الهدى والخير، وأنه يتقلب في خمس ظلمات؛ قوله ظلمه وعمله ظلمه ومدخله ظلمه ومخرجه ظلمه ومصيره إلى ظلمه، وإذا قابلت بصيرته الخفاشية ما بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم من النور جد في الهرب منه إلى ظلمات الآراء التي هي أنسب وأولى له، فمع زبالة الأفكار ونخالة الأذهان يجول ويميل، ويبدي ويعيد، فإذا طلع نور الرسالة انحجز في حجرة الحشرات. رحمك الله يابن القيم لو عشت بيننا اليوم ورأيت كيف أن الخفافيش قد صالت وجالت، وتنادت الخفافيش من طول الأرض وعرضها يتباهون بالظلمات، ويتواصون بخنق مصادر النور ومحاربة المؤسسات الإصلاحية باعثة النور في القلوب. ورحمك الله يا ابن القيم ثانيةً كيف كنت حاملاً للمشاعل تضئ الأرض بالعلم النافع وتبنى صروح صناعة المصابيح وتبث الوعي فلم يكن للخفافيش في وقتك إلا حجرات يأوون إليها. ورحمك ثالثةً جزاء ما بينت أن قول الحق والجهر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إشعاعات من الضياء، وأن نشر العلم الشرعي قبسات وهاجه تفجأ هذه الأصناف الطائرة فتصرعها وتجعلها تتخبط، وأن كثرة الخفافيش لا تعني قوة ولا منعة كما كثرة بغاث الطير. ويشترك خفافيش الفكر مع الخفافيش الطائرة كونها يصعب التعرف عليها ورؤيتها، فتجد الكلام الملئ بالرموز والتلميح والتلاعب بالألفاظ، وضبابية المقاصد. وهذا شان المنافقين الذين لا يبدون حقيقتهم إلا في الخفاء بعيداً عن أنظار المؤمنين. أما إذا كانت في مأمن فإنها لا تبالي لأن الظلام حياتها وبستانها ولذا فإنها تريد أن يعيش الجميع فيه، غرقى أتون الشهوات والشبهات، أسرى التضليل والتجهيل، حتى تنطلق آمنة مستقرة تلهو وتلعب من غير أن تعترضها كشافات التنوير. إن محاربة هؤلاء الخفافيش للمصلحين ومهاجمتهم على صفحات الجرائد والمجلات، ومكرهم بهم الليل والنهار هو قارب النجاة لهم وضمانة لدوام الطيران. ولقد فهم عمر رضي الله عنه بقوله: "ينقض الإسلام عروة عروة من عاش في الإسلام ولم يعرف الجاهلية" وكأنه ينبهنا إلى أن معرفة أجواء المنكر وتعريتها وفضحها حفظ للدين وأمان من الفتن. وهكذا إذا رأيت أسراب الخفافيش منتشرة فأعلم أن من عندهم النور انشغلوا بأنفسهم وتجاراتهم وهمومهم وأوهامهم، فهم في ظلمات من صنع أنفسهم، يموتون عطشاً والماء معهم، هؤلاء الأخيار الذين يملأ الخير قلوبهم أين هم في كل محفل يغمره الظلام، أين هم عن تحصين بيوتهم وأحيائهم وأسواقهم، أين هم عن أوكار الظلام وأنصار الليل؟؟ لماذا لا يشعل كل واحد منهم مصباحه ويبني مشروعه لينير طريق الناس ويبعد الهوام أم هم ينتظرون اليوم الذي يرددون فيه " أكلت يوم أكل الثور الأبيض"؟‍‍‍‍!
زيارات المقال 2887 | مقالات الكاتب 154