موقع الدكتورة رقية المحارب :: المرأة والإعلام
شارك معنا

المرأة والإعلام

أمامي ملف بعنوان "صحافة المرأة قتلت المرأة" نشرته مجلة العالم قريباً تعرضت فيه لقضية المرأة مع الإعلام ودعمت هذا الملف بدراسة أجريت على 22 مجلة نسائية تصدر الآن، وخلصت هذه الدراسة التي تناولت عينة عشوائية من هذه المجلات النسائية إلى أن المواد الجادة لا تتجاوز 10% بأي حال من الأحوال. بل إن احدى النساء ذكرت أنها تتابع معظم المجلات النسائية الموجودة في الأسواق وقالت إنها جميعها متشابهه بحيث أنك لو نزعت غلاف احداها لأصبحت مثل الأخرى تماماً، فالموضوعات متشابهة تدور حول الأزياء وتسريحات الشعر المختلفة ومساحيق التجميل وغير ذلك بصورة مكثفة لا تكتفي بالقدر المعقول. وفي الملف ذاته يقول احد متعهدي توزيع هذه المجلات إن نسبة من يشتري المجلات النسائية من النساء والرجال متساوية بسبب صور النساء التي تجذب الرجال!! إن هناك رأياً عاماً بين النساء أن المجلات النسائية لا تعبر عن تطلعاتهن ولا توفر حلولاً لمشكلاتهن! وهناك أيضاً ما يشبه الاجماع أن الإعلام العربي- وخاصة الصحافة الموجهة للمرأة-فشل في تقديم خطاب متميز وفي مناقشة المشكلات الحقيقية التي تعانيها النساء اليوم.وأصبح عجز الإعلام-وهنا لا أتكلم عن بلد بعينه- واضحاً من خلال عدم وجود رأي عام بين النساء في أي قضية من القضايا رغم القدرة على ذلك، ومن خلال عدم وجود رؤية واضحة لتناول قضية المرأة فكانت النتيجة أن تحول الإعلام في الغالب إلى نسخة مترجمة بتصرف من الإعلام الغربي الذي ينظر للمرأة على أنها مجرد أداة للتسويق وقد اعترف أحد رؤساء التحرير في مقابلة معه أن وضع صورة امرأة على الغلاف هو لضرورات التسويق! ولا يخفى على المتابع المساحات الواسعة التي تفرد لأهل الفن من الممثلات والمطربات وكذلك لمتابعة آخر صيحات الموضة والحديث عن ظواهر شاذة ومطالبات لفئة محدودة من النساء في مقابل ترك تناول القضايا الملحة الخطيرة التي تعاني منها المرأة ومحاولة الرقي بطريقة تفكيرها وتنمية مهاراتها. هناك أيضاً إبراز لبعض النشاطات النسائية في مقابل شبه إهمال تام لكثير من النشاطات الثقافية والتربوية المتميزة. على سبيل المثال يتم تغطية النشاط ليس لأنه نسائي ولكن لأنه يتفق مع توجهات معينة بينما يهمل نشاط آخر نسائي رغم أن حضوره يتجاوز الآلآف، وهذا يدل على أن هناك بعد عن معايشة هموم المرأة فعلاً. هناك غياب واضح للإعلام في غالبه اليوم عن تقديم المشورة الاجتماعية والفقهية والتربوية إلا في النادر في كثير من المجلات النسائية. يكفي أن نعلم أنه في إحدى المجلات النسائية بلغت الصفحات المخصصة للمرأة بخلاف الإعلانات حوالي 102 صفحة تمثل الصفحات الجادة 8 صفحات فقط! ولذا فليس غريباً أن نلحظ سطحية في التصورات والسلوك وتفنناً في تضييع الأوقات لدى نسبة كبيرة من النساء، كما أننا لا نستغرب كيف تكثر الخلافات العائلية وكيف تفتقر معظم الأسر إل الإلمام بأصول التربية للأطفال بل إلى أساسيات السلوك الحضاري. هناك أيضاً قصور في توجيه المراهقات بل إن الذي يحدث هو للأسف ترويج لبعض القيم وتقديم الفتاة اللاهية العابثة كرمز للنجاح ولا أدل على ذلك من الحرص على متابعة مسابقات ملكات الجمال وفتيات الإعلانات وغيرهن في مقابل إهمال للرموز النسائية المثقفة وعدم الحرص على إجراء الحوارات معهن إلا وفق نظرة مسبقة. وقد أدى هذا إلى مزيد من التلهف لمتابعة أخبار هؤلاء دون روية بسبب هذا الزخم الإعلامي. بل إنني أسفت كثيراً عنكا قرأت مقابلة مع أحد رؤساء التحرير عندما قال لقد اخترنا أن نركز في الغلاف على الفن والرياضة لأن هذا غالب ما يريد الشباب. إن الإعلامي صاحب رسالة وهدف وليست مهمته أن يكون تابعاً للأهواء، إن المفترض أن يرتقي بمستوى من يخاطبه لا أن ينزل إلى مستواه من أجل الكسب المادي. من الأمور التي الحظها غياب المصداقية بعض الأحيان سواء فيما يكتب من مقالات أو ما ينشر من تحقيقات فيتم في الغالب إبراز ما يؤيد وجهة نظر الكاتب أو المحرر وتتم استضافة من يؤيد الفكرة بغض النظر عن موافقة هذا الرأي مع الثقافة المحلية والمبادئ الشرعية ورأي الغالبية وهذا بدوره يفقد هذه الوسائل الحيادية وربما أدى إلى حدوث بلبلة على المدى القصير. هناك أيضاً غياب كبير عن معالجة بعض المظاهر السلوكية لدى بعض الفتيات وعدم إشادة بالظواهر المتميزة في المجتمع. أيضاً ألمس تناقضاً في تقديم الفكر ففي عدد واحد تجد المقال الذي يدعو إلى الفضيلة وفي مكان غير بارز في صفحة وفي أخرى تجد صوراً سافرة تأخذ حيزاً كبيراً ومقالات تهاجم المصلحين وتهون من شأن الانحراف وتدعو إلى إلغاء الرقابة على مايسئ للمقدسات والآداب بحجة الانفتاح الإعلامي..هناك أيضاً ضعف في التركيز على إبراز الوجه المشرق من التاريخ وعدم إعطاء مساحات كافيه للحديث عن حياة الأنبياء والصحابة والعلماء والنساء المتميزات وتقديم النماذج التي إذا تمت دراسة سيرهم أدى ذلك إلى تنمية للارتباط العقدي وتعميق للفضيلة في المجتمع. وسؤالي لماذا لا يتم تقديم نماذجنا وخصوصاً النسائية التي ساهمت في مسيرة سيادتنا على الأمم عسى أن نتأثر بهم ونحقق شيئاً من المكانة في هذا العالم؟ هناك بطبيعة الحال محاولات إعلامية جادة موجهة للمرأة تهدف إلى تقديم رؤية شرعية ولكنها نظراً لتعقيد مسألة المرأة وقلة القدرات الإعلامية المتميزة وغياب مراكز أبحاث متخصصة وأسباب أخرى تحتاج إلى الكثير من الوقت والجهد وهناك بشائر طيبة إن شاء الله. لا بد من التأكيد على أن الإعلام الهادف هو الذي يحاول أن يتلمس المشكلات الحقيقية للمرأة ويضع حلولاً واقعية عملية، ويحاول أيضاً أن يؤسس ثوابت منبثقة من ديننا في عقل كل امرأة بطرق مباشرة أو غير مباشرة. إن المرأة تريد من الإعلام أشياء كثيرة؛ تريد أن يفهم طبيعتها وأن يقدم لها حلولاً لقضاياها الاجتماعية مع والديها، مع زوجها، مع أولادهها، كذلك تريد أن يعرفها الإعلام على طرق نجاتها يوم لا ينفع مال ولا بنون، وكيف تحافظ على شخصيتها وكيف تنمي ثقافتها، وكيف تتعامل مع من حولها، وكيف تكون فاعلة في مجتمعها، وكيف تؤدي رسالتها على الوجه المطلوب. المرأة لا ترى أن الإعلام الموجه لها اليوم في غالبه يساهم في تكوين شخصية متميزة قادرة على الإبحار في محيط متلاطم الأمواج.
زيارات المقال 790 | مقالات الكاتب 154