موقع الدكتورة رقية المحارب :: دار الأرقم!
شارك معنا

دار الأرقم!

في وسط الطغيان وعولمة الجاهلية الأولى نشأت دار الأرقم بن أبي الأرقم حيث كانت ملتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين يعلمهم ما ينزل عليه من الوحي، وكان ذلك في السنة الخامسة من ابتداء الدعوة، وكانت هذه الدار على الصفا وهي منطقة تشتد فيها حركة الناس بصورة طبيعية مما يصعب معه إدراك وجود حركة خاصة بالناس كما ذكر ذلك الدكتور مهدي رزق الله. ولعلك تسأل: لماذا اختار النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بالذات؟ فيجيب عليه المباركفوري في الرحيق المختوم قائلاً: "لأن الأرقم لم يكن معروفاً بإسلامه ولأنه من بني مخزوم التي تحمل لواء التنافس والحرب ضد بني هاشم إذ يستبعد أن يختفي الرسول صلى الله عليه وسلم في قلب العدو، ولأنه كان فتى صغيراً عندما أسلم في حدود 16 سنة، إذ إنه في هذه الحالة تنصرف الأذهان إلى منازل كبار الصحابة"أ.هـ. إن في ثنايا هذه الدار من الدروس الشئ الكثير، فمن ذلك أن هذا الدين ليس دين دراويش غافلين عما حولهم، يخدعهم كل أحد، فلقد كان المسلمون على قدر عال من الحنكة ومعرفة الواقع والتعامل المناسب معه. وفيها من الدروس أن الرابطة الإيمانية هي التي تجمع المسلمين وليست الرابطة القومية أو القبلية فلقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وكانت الضيافة عند رجل من بني مخزوم الأعداء التقليدين لهم، ومنها أن الشباب الصغار توجه لهم الدعوة ولا يعتبرون صغاراً لا يؤبه بهم بل إن السيرة النبوية أثبتت أن نفعهم للدعوة كان كبيراً، فمئات الآلاف من شبابنا اليوم ممن تقل أعمارهم عن 18 سنة ماذا قدموا لنهضة أمتنا، وماهي مشروعاتهم المفيدة التي تعمر الأرض بالخير؟ ثم أين تقديم أمثال الأرقم بن الأرقم لهم ليكون رمزاً تتطلع له القلوب وتقتفي أثره في نصرة الدعوة. ومن الدروس الكبيرة أن عدد المسلمين لم يتجاوز العشرات رغم مضي خمس سنين على ابتداء الدعوة! مما يبعث رسالة إلى المستعجلين اليائسين أن هذا الدين يحتاج إلى صبر ومصابرة وعمل دؤوب من أجل نتائج قد لا تظهر إلا بعد سنين أو عشرات السنين. والدعاة اليوم في أقطار كثيرة من العالم يحتاجون إلى قرآءة السيرة قرآءة جديدة تأخذ العبر وتقارن بين الحالين وتدرس السنن الربانية وتعمل وفق الطاقة وتقتدي بالجيل الأول في العلم والعمل والدعوة صبراً وفقهاً ومجادلة بالتي هي أحسن وجهاداً حتى تعم الأرض الطيبات وتحل البركات. إن دار الأرقم كانت تقوي العزائم في زمن ابتلاء المسلمين وفي وقت تعذيبهم بالنار، وكانت تمد القلوب بالعلم النافع، وتبين للعقول آيات الخالق جل وعلا، كما أنها لم تكن المجال الوحيد للدعوة بل إن الصحابة كانوا يختلطون بالناس ولكن بقلوب مختلفة تريد الهداية وتختار الفرصة المناسبة لعرض الدعوة..نحن بحاجة ماسة اليوم إلى السيرة ندرسها ونربطها بواقعنا اليوم..أليس كذلك؟
زيارات المقال 962 | مقالات الكاتب 154