موقع الدكتورة رقية المحارب :: دروس من الأزمة (2-3)
شارك معنا

دروس من الأزمة (2-3)

لم أجد عبارات أبغض إلى نفسي هذه الأيام من "ضبط النفس"، "التعقل"، "الهدوء" لا لأنني أعشق العنف وأدعو إلى التخريب ولكن لأن هذه المفردات تساق في معرض لغة الذل والاستسلام والإفلاس المادي والمعنوي. أحلم باليوم الذي يدعو فيه العدو إلى عقد جلسة لمجلس الأمن مطالباً فك الحصار عنه، وأتمنى أن أعيش اليوم الذي يضغط فيه العالم علينا لنقبل بوقف القصف حتى ينجلي اليهود من الأراضي التي احتلها. دروس كثيرة علمتنا إياها هذه الأزمة أوجزها فيما يلي: لقد علمتنا هذه الأزمة أن مشاعر المسلمين مع الأقصى ومع إخوانهم المسلمين في فلسطين وأنه متى ما وجهنا رسالة إعلامية صادقة فإننا نستخرج من قلوب الناس عواطف جياشة وعطاء سخياً ودعاء حاراً وإنابة إلى الله وكنوزاً مدفونة تحت ركام التغييب. وهذا نموذج للتفاعل الصادق: نساء فلسطين تكحلن بالأسى وفي بيت لحم قاصرا وقصر وليمون يافا يابس في غصونه وهل شجر في قبضة الظلم يزهر ألا يا صلاح الدين هل لك عودة فإن جيوش الروم تنهى وتأمر رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم وجهدك في حطين ظل مكبر ومع كل هذا فإن سبب البلاء الذي يصيب الأمة هو من ذاتها كما قال تعال: قل هو من عند أنفسكم، إنها السنن الربانية التي تسري في كل زمان ومكان، وإن المخرج مما نحن فيه هو في العودة الصادقة إلى الدين والأخذ بقوة بالكتاب العزيز والسنة النبوية. لا يمكن لأمة تعتصم بمصدر عزها أن تهزم، ولكن ما أقرب الذل من أمة تاهت في وسط الشهوات والشبهات، وأصبحت تستجدي الأعداء، وتحسن الظن بقاتلها، وتحسب الورم شحماً كما يقول المتنبي: إني أعيذها نظرات منك صادقة أن تحسب الشحم في من شحمه ورم لقد علمتنا هذه الأزمة أن غياب العلماء وتركهم لمهمتهم أكبر مصيبة تصاب بها الأمم، ولا عجب أن يركن الناس إلى الخمول والترف وتتردى أحوالهم الإيمانية ويزهدوا في طلب العلم إذا كان علماؤهم بعيدين عن هموم المسلمين. لقد كان للعلماء خصوصاً في قضية القدس دور رائد واقرأوا تاريخ الأقصى تروا عجباً، وتأملوا في دور عز الدين القسام والحسيني وغيرهم. ومتى ما أدرك أهل العلم مكانتهم في القلوب واستعانوا بالله تجاوبت معهم قلوب المؤمنين والمؤمنات وانتشر الخير وطابت الأرض وحلت البركات. لقد علمتنا هذه الأزمة أن جذوة الصراع مع الأعداء اليهود والنصارى يجب أن تبقى، وأن إذكاء روح البراءة من الكفار سبب من أسباب العز والتمكين، وارتفاع البلاء، ونيل المهابة. ومتى زال هذا الصراع أو خفت حدته طمع العدو وتبجح. وإن إعادة عقيدة الموالاة لإخواننا في العقيدة في فلسطين وغيرها أمر تفرضه الظروف الحالية ولذا لابد من برامج عملية لتنفيذ هذه الإعادة على أرض الواقع. لقد علمتنا هذه الأزمة أننا لا نعرف كثيراً عن أحوال إخواننا المسلمين في فلسطين وأسماء مدنهم وقراهم وظروف معيشتهم، بل إننا لا نعرف بالقدر الكافي تاريخ القدس وشبه اليهود بل إن كثيراً منا لا يفرق بين المسجد الأقصى وقبة الصخرة!
زيارات المقال 691 | مقالات الكاتب 154