موقع الدكتورة رقية المحارب :: طرد الأفكار
شارك معنا

طرد الأفكار

نجحت شعوب كثيرة في طرد المستعمر المدجج بالأسلحة بالنضال ولم تستسلم وترض بالحياة على الذل والمهانة تحت سيطرة العدو على حياتها وثقافتها، هذا العدو الذي ينهب ثرواتها ويستعبدها ويسخر طاقاتها لنشر أفكاره. هذه الجزائر قامت عن بكرة أبيها وطردت المستعمر الفرنسي في واحدة من أشهر معارك التحرير، قادها العلماء والدعاة واختلط بغبار المعارك الوعي الثقافي المتين بأحوال العالم والحمية للكرامة وحب معالي الأمور. لقد طرد الغيورون أفكار المستعمر قبل أن يلتفتوا إلى آلاته وقواته، فاقتلعوا موالاته من القلوب فلم يجد مكاناً آمناً على الأرض المسلمة فرحل مكرهاً لا بطلاً. لن أتكلم عن طرد المستعمر بالنضال المسلح ولكنني أركز هنا على طرد أفكاره ومبادئه التي يبثها في الفضاء أو عن طريق عملائه وأعوانه الذين أعمت قلوبهم المادة فهم في مقابل الكسب الدنيوي لا يبالون أن يذهب كل من حولهم إلى الجحيم. مقاومة الأفكار المنحرفة علم كبير وفن صعب يحتاج إلى ثقافة واسعة وإدراك للأولويات ومعرفة بالقدرات الذاتية كما أنه يتطلب صبراً ومعرفة بسنن الله في هذا الكون. قبل طرد الفكرة لا بد من معرفة موافقتها للحق من عدمه، ومستوى انحرافها فلا تعامل الأفكار معاملة واحدة، ولا بد أيضاً من الحكمة في مواجهتها والإخلاص في القيام بهذا العمل الجليل، ولا تعني الحكمة هنا الليونة بقدر ما تعني وضع الشدة في موضعها ووضع اللين في موضعه، فالشدة في مقاومة الفكرة المنحرفة في وقت الشدة ربما أدت إلى مزيد تأييد لها، واللين مع من لا ينفع معه اللين ربما أدى إلى مزيد طغيان. لقد كان ابن حزم رحمه الله صاحب فكر وقاد لكن مذهبه لم ينتشر لأسباب كثيرة منها مسلكه رحمه الله مع الخصوم وشدته معهم. كما أن موطأ مالك رحمه الله لم يكن الوحيد في زمنه لكن إخلاصه جعل لكتابه قبولاً عند الناس. ومسألة مهمة هنا أن طرد الأفكار المنحرفة في أي مجتمع ليس بالضرورة أن يكون عن طريق الإنكار وإن كان مهماً جداً ولكن عن طريق بناء العقول بالطيب من الفكر والأصيل من التصورات..فإن أردتم أرضاً طيبة فتعاونوا لدعم كل مشروع لإنبات الخير وتوطينه وأميتوا كل مشروع يبذر أشجار الفرقة وترحيلها، وبهذه الأعمال المباركة يتحقق الشكر للمنعم جل وعلا ونهنأ بالأمن والإيمان، يقول تعالى: "والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون".
زيارات المقال 787 | مقالات الكاتب 154