موقع الدكتورة رقية المحارب :: عزة البنات
شارك معنا

عزة البنات

اجتمعت عدة أحداث الشهر الماضي ذكرتني بموضع مهم يندر وجوده على مستوى الفرد والجماعة. من هذه الأحداث قتل الصبي رامي ذي الاثني عشر ربيعاً في فلسطين على يد اليهود، ومنها كثرة الكلام حول اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، ومنها ما نراه من مظاهر ذلة بعض البنات وخجلهن أحياناً أمام بعض المنبهرات بمظاهر التحرر، وحرصهن على التقليد وتلقفهن لما تدعو إليه المنهزمات من ضرورة إدماج المرأة في التنمية جرياً وراء عادات أجنبية بالية وتقاليد غربية تالفة وغير ذلك وكأن قيامها بمهمتها الأساسية عنوان تخلف وعلامة جاهلية . ذكرتني الأحداث المتوالية برمز من رموزنا الرائعة التي عاشت معنى العزة في أروع صوره. لقد تربت آسية بنت مزاحم رضي الله عنها في بيت عز بمقياس الناس وعاش معها زوجات وبنات الطبقة الراقية في ذلك المجتمع الفرعوني. لقد عاشت نساء تلك الطبقة حياة مترفة بكل الموازين حيث الخدم وأنواع المأكولات وألوان الملاهي والملذات، وكن ينظرن إلى بطش فرعون ورجاله بأمهات بني اسرائيل دون أن تتحرك رحمة الأمومة في قلوبهن، وكان نساء الطبقة الكادحة يعشن حياة قاسية تعيش على الكفاف في الوقت الذي ينام أولئك على وسائد الحرير.ولكن لم يكن بيت العز هذا هو الذي طار بذكرها في الآفاق وأنزلها منازل الكرامة، بل كان موقفها الإيماني الكبير عندما استعلت علىزخرف الدنيا واختارت نصرة الدعوة والحياة بسلام مع هذا العالم الذي تسبح فيه السموات السبع والأرض ومن فيهن الله العزيز جل في علاه. لا يعرف الناس اليوم زوجة هامان ولا أخواته ولا نساء تلك الطبقة من الوزراء والأغنياء والأعيان ممن كن يجتمعن في مظاهر العز الزائف والأبهة الفخمة، ولم يبق ذكرهن ولم يخلد إلا ذكر آسية بنت مزاحم-رضي الله عنها- زوجة الطاغية الكبير وأصبح اسمها خالداً إلى قيام الساعة. لقد ارتفعت آسية بنت مزاحم وعدت كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري رحمه الله تعالى ضمن خيار نساء العالمين: (خير نساء العالمين أربع: آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد). ولنا أن نتسآءل اليوم ونحن نعيش زمناً مختلفاً في مدنيته ولكنه يشبه في بعض جوانبه ذلك المجتمع كييف نبعث روح العزة في النفوس؟. إن من تستعلي على الشهوات الأرضية وترتفع بهمتها وتعرف أنها تمتلك وضوحاً في المنهج الذي تؤمن به والفكر الذي تعتنقه والدين الذي تدين الله به لا يمكن أن تشعر يوماً ما بالذلة، وأنى لها أن تسقط في وحل التبعية. لقد كان في دعاء آسية-رضي الله عنها- ربها أن يبني لها بيتاً في الجنة وأن ينجيها من فرعون وعمله وينجيها من القوم الظالمين خير قدوة لبنت اليوم. بنت هذا الزمان الذي تعددت فيه الآلهة من حرية شخصية وتيارات فكرية منحرفة ومذاهب شاذة تفرقت في كل شئ إلا في تكريس الذلة في الأنفس تحتاج أن ترفع الدعاء ذاته الذي رفعته آسية في وجه قومها وتقول إنها تريد العزة الحقيقة، وترسل النداء أن ينجيها الله من عمل المفسدين في الأرض الذي يريدون فتاة لاهية عابثة همومها صغيرة، وقد أراد الله لها أن ترتسم خطى المثقفات المسارعات إلى مرضاته من قياداتنا النسائية الراشدة عبر تاريخ أمتنا المجيدة الطويل. وإذا كان يوجد من يعمل من أجل إعادة سيرة امرأة لوط أو حمالة الحطب في مناصرة أهل الباطل فإننا بحاجة إلى تذكير بناتنا بباعثات النهضة في مجتمعاتهن. وهنا نريد من المربيات أن يعتنين بمعنى العزة ووسائل تحصيله وتربية من حولهن عليه وإبراز النماذج العزيزة في تاريخنا وبيان مشابهة الزمان للزمان عسى أن يخرج من أهلنا رموز مؤمنات يعدن سيرة الخالدات ويرفعن راية النصر في ميدان كثرت فيه الرايات البيضاء معلنة الهزيمة
زيارات المقال 742 | مقالات الكاتب 154