موقع الدكتورة رقية المحارب :: في صحبة أسماء
شارك معنا

في صحبة أسماء

أسماء رضي الله عنها علم على رأسه نار، امرأة من قرن مضى يضرب بها المثل، وتنشرح لسماع سيرتها النفس، وهي أحق من يقدم مثلاً للمرأة في الخليج بل في العالم الإسلامي كله بدلاً من تلك الرموز التي ينفخ فيها في كثير من الصحف والمجلات الملونة. وكثيراً ما أسمع الصغيرات يرددن هذين البيتين: كانت وستبقى أسماء رمز بطولات وفداء في الهجرة كانت رائدة رفعت للتوحيد لواء ما أروعها من شخصية نسائية واعية مؤمنة، أدركت مكانتها ومكانها، حقها أن تخصص لها الصحف الملاحق تلو الملاحق وأن تتناول مواقفها المعلمات والمربيات، وإن سؤال أين أبوك يا فتاة؟ لسؤال محفور في ذاكرة المؤمنة تتذكر به أسماء-رضي الله عنها- التي تلقت أول صفعة في حياتها في سبيل الله أطارت قرطها من أذنها..تخيلوا قوة هذه الصفعة، وتخيلوا هذا الطغيان من أبي جهل الذي لم يرحمها، وتخيلوا هذا الصمود العجيب من فتاة صغيرة لم تتحرك لتعيد قرطها واستمرت واقفة!! ثم قارنوا هذه الصفعة الحسية بالصفعات المعنوية التي تتلقاها المؤمنات الصادقات المجاهدات كل يوم من دعاة الفساد ودعاة التبرج والمساواة الفارغة. ألا نحتاج إلى أسماء في كل بيت تتلقى هذه الصفعات فتصمد؟؟ثم يتحول هذا الصمود إلى عمل فاعل في نصرة الدعوة. قامت أسماء بدور بطولي في تاريخ الإسلام، فقد كانت مهمتها أثناء هجرة الني صلى الله عليه وسلم تحضير الطعام ثم نقله في خفية عن أعين الظالمين عبر مسالك وعرة وطرق صخرية..شقت أسماء نطاقها وهي الأنثى التي تحب الزينة والمتاع ولكن هم الدعوة كان أعظم في قلبها من كل شئ، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، قال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: لقد أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في الجنة. تذهب المرأة المسلمة إلى السوق كثيراً ، ولكن من تلك التي تذهب إلى السوق لتشتري ملابس تتبرع بها إلى المحتاجين والمجاهدين، بل من تلك التي تعمد إلى أغلى ما تملك كما فعلت أسماء فتهبه للدعوة؟ ألا نحتاج إلى أسماء في كل بيت حتى لا يرقص المنصرون على أنغام غفلتنا؟ وهل نستطيع أن نتناول هذه السيرة العطرة دون أن نذكر الحديث الذي أخرجه البخاري رحمه الله في كتاب النكاح عن أسماء رضي الله عنهما قالت: تزوجني الزبير وماله في الأرض من مال ولا مملوك ولا شئ غير ناضح وغير فرسه، فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء وأخرز غربه وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز، وكان يخبز جارات لي من الأنصار وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير-التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم- على رأسي وهي مني على ثلثي فرسخ، فجئت يوماً والنوى على رأسي، فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من الأنصار فدعاني ثم قال: إخ..إخ، ليحملني خلفه، فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته،-وكان أغير الناس-فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنني استحييت فمضى، فجئت الزبير فقلت: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رأسي النوى ومعه نفر من أصحابه، فأناخ لأركب، فاستحييت منه وعرفت غيرتك، فقال: والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه. قالت: حتى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك بخادم تكفيني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني. هنا يتوقف القلم لأن هذه القصة هزتني من الأعماق لما فيها من دروس تربوية كبيرة، فيها تلك الرأفة والرحمة النبوية بأن أناخ لها الجمل لتركب ويركب هو جملاً آخر كما ذكر ذلك ابن حجر. وفيه أيضاً ذلك الثناء الجميل منها على نساء الأنصار، فيالهن من نساء صدق يتعاملن فيما بينهن بطهارة قلب حتى أنهن يخبزن لبعضهن في تمثيل حي للأخوة الإيمانية. وفيه أيضاً تلك التضحية والعمل الجاد لأن الأزواج كانوا مشغولين بالجهاد ولم يكونوا قادرين على استخدام من يقوم بالعمل فتحتسب نساء الصحابة القيام إعانةً لأزواجهن على القيام بالجهاد. وفيه أيضاً تلك الغيرة والمحبة التي يكنها الزبير لزوجته أسماء رضي الله عنهم. ألا نحتاج إلى أسماء في كل بيت تعين زوجها على أمور دعوته،ولا تتأفف من كثرة ضيوفه، وتعرف له قدره وحقه، ولا تطالبه بأمور ليست في إمكانه، وزيادةً على ذلك تحفظ نفسها وتبالغ في ذلك؟.. ثم ألا نحتاج إلى مثل الزبير في غيرته على محارمه، وفي محبته وشفقته وعطفه وحنانه على أهل بيته، ألا نحتاج إلى من يشعر أهل بيته بغيرته في زمن اغتيال الغيرة؟..ثم ألا نحتاج إلى نساء صدق كنساء الأنصار..تحنو الجارة على جارتها، وتتفقد أحوالها.تزورها إذا مرضت، وتهنئها إذا فرحت، وتدلها على الخير؟ إن أسماء ومن معها من نساء الأنصار لمشاعل هداية للبنت المسلمة، وإنهن لرموز حضارية شامخة نريد أن نبرز أخبارهن ونقدمهن كقامات تتطلع إليها من تكبر الله في يومها مرات ومرات..
زيارات المقال 731 | مقالات الكاتب 154