موقع الدكتورة رقية المحارب :: قاسم أمين والاحتفاء
شارك معنا

قاسم أمين والاحتفاء

أصدر قاسم أمين كتابيه تحرير المرأة والمرأة الجديدة قبل 100 سنة وأعلن فيهما آراءاً أثارت ردود فعل عنيفة كونها دعت وبصراحة إلى ترك الحجاب وتقليد المجتمع الغربي في كل شؤونه حتى تنهض الأمة. وهو الذي يعترف باهتزاز قناعاته نتيجة احتكاكه بالوسط الفرنسي "وفي هذا الوسط اضطرب قاسم المسلم الشرقي"، كما أنه صرح بأن السفور ليس خروجاً على الدين، ودعا إلى إلغاء الطلاق والحد من تعدد الزوجات. وعده المستغربون أباً روحياً لحركة تحرير المرأة، ووصفته واحدة في كتاب لها بأنه "المفكر الذي جعل من قضية المرأة قضية ضمن أحلام المجتمع الليبرالي الممكنة، وكان أيضاً البداية الجادة لما لحقه من حركات وأصوات في القرن العشرين". اليبرالية التي كانت رائجة في الثمانينات الهجرية وكان من ينتمي لها يعد متنورأ ومثقفاً أصبحت اليوم وصمة عار، وارتبطت بالدعوة إلى الانحلال وحصر الإسلام في المسجد. وليس غريباً أن تقف الجهات الإستعمارية في صفه تناصره وتؤيده وتتبنى قضاياه وتترجم كتبه إلى الانكليزيه و أن يدافع عنه أمثال جورجي نقولا النصراني. يقول قاسم أمين في كتابه "المرأة الجديدة": (نحن لا نستغرب أن المدنية الإسلامية أخطأت في فهم طبيعة المرأة وتقدير شأنها، فليس خطؤها في ذلك أكبر من خطئها في كثير من الأمور الأخرى). هذه الأيام سوف يحتفى بقاسم أمين وسوف تعاد طباعة كتبه في محاولة لأحياء فكر يتصادم ومنطق الأمور، وسوف يقدم هذا الرجل على أنه رمز للتنوير والعقلانية، وتقام على هامش إحياء الذكرى المئوية لتأليفه هذين الكتابين ندوات ومحاضرات وفعاليات أخرى. ولكن هل واقع العصر اليوم هو واقعه قبل 100 سنة؟ أحسب أن الحالين مختلفان؛ فلم تعد تنطلي على الناس مقولات الدعوة إلى التحضر والتمدن والسير في ركاب المجتمع الغربي. ولم تعد أساليب وصف التشريعات الربانية بأنها بالية تجد آذاناً صاغية. لقد سافر الناس إلى تلك البلاد ورأوا واقعها المرير، والضياع الإجتماعي الذي أراد قاسم أمين ومن تأثر بأفكاره أن نسير في ركابهم.وهل تقبل مقولة " إن أكبر أسباب انحطاط الأمة تأخرها في الفنون الجميلة التصوير والتمثيل والموسيقى"!! وهل تقبل فكرة أننا يجب أن نقبل الحضارة الغربية بحلوها ومرها كما يقول طه حسين، أو أننا كيف نستقبل الالفية الثالثة ونحن لا نزال نتحدث عن الحجاب ومنع الاختلاط. يقول أحد الذين تأثروا بكتابات قاسم أمين " تأثرت بكتب قاسم امين تأثراً عجيباً، جعلني أمقت الحجاب مقتاً شديداً يرجع إلى اعتبار خاص، هو اعتباره من أصل غير مصري، ودخوله إلى العادات المصرية، عن طريق تحكم بعض الفاتحين الأجانب، فكان حنقي على أولئك الأجانب الفاتحين الإسلاميين يزيد" . هذه إحدى ثمار فكر هذا الرجل ولا يغير في واقع الحال ما يقال عن رجوعه عن أرائه وندمه على نشرها ولكن الشئ الأكيد أن كتابيه أثارا شبهات انطلت على محدودي الثقافة واستشهد بكثير من أفكاره في أكثر من محفل. وليس غريباً أن يحتفى بقاسم أمين ولكن العجيب أنه لا يزال من بيننا من يروج لأفكاره ونحن في القرن الخامس عشر. إنها دعوة إلى العمق في فهم الأحكام الشرعية والعلم بأدلتها، فهذا الزمان لا ينجو من شبهاته إلا من عرف دينه. ولا يقل عن هذا أهمية التأكيد على المرجعية في تناول الأحكام الشرعية وأن لا تؤخذ إلا ممن يملك أدوات الاجتهاد. ولعل من المناسب استثمار هذا الحدث في إصدار بعض المطويات عن حركة تحرير المرأة، و توزيع بعض الكتب عن الحجاب والاختلاط والأحكام الشرعية الخاصة بالمرأة في جميع المدارس والجامعات، وأن تتناول بعض وسائل الإعلام خطورة أفكار قاسم أمين وأمثاله على الشباب وأن تقوم بدورها التوعوي في الرد على الشبهات وتوفير الحصانة الفكرية اللازمة لنهضتنا. ولا بأس في نظري أن تخصص المجلات النافعة ملاحق قوية لبيان تهافت الفكر الليبرالي قياماً بواجب البلاغ ، وحتى لا يصنع قاسم أمين أو هدى شعراوي جديدان بيننا! 1) عودة الحجاب ج 1 ص 79
زيارات المقال 793 | مقالات الكاتب 154