موقع الدكتورة رقية المحارب :: للبيوت أسرار
شارك معنا

للبيوت أسرار

كان من يعرفه يرثي لحال ذلك الأصم الأبكم ويغبط أخاه الثري الذي يملك مئات الملايين. كان ذلك الثري لا يبقى في بلده يوماً كاملاً، كل حياته متابعات لمشروعات في اقصى الشرق والغرب. وكان الأخوة والأخوات وأولادهم يتحينون ساعة وصوله للسلام عليه..كان كل همه تلك الأرصدة المجنونة في البنوك الخارجية، ومنتهى أحلامه أن يكسب كل يوم المزيد من المال! وحال ذلك الأصم الأبكم متواضعة في مسكنه وملبسه، في الوقت الذي يتمتع أخوه بكل ما يتخيله الإنسان من متاع.. ودارت الأيام وأصيب هذا الثري بجلطة أفقدته الذاكرة وخرج من المستشفى لا يعرف أولاده ولا يتصرف في ريال واحد..وأصبح طريح الفراش وبعد مدة فقد بصره ..لم تساهم تلك الملايين في إبقاء نعمة البصر أو في إحياء خلية واحدة من خلايا دماغه..وتحول رثاء الناس من أخيه الأصم إليه وتذكروا فجأة حقارة الدنيا وهوانها وقلة نفعها لأصحابها..لم بغير في واقع الحال تلك الأواني الفاخرة وقطع الأثاث الراقي التي كانت تزين قصره المقدر بعشرة ملايين، وتوقف دمه أثناء سيره في جسده لحظة واحدة ففقد خلال هذه اللحظات المئات من النعم! لقد سهر الليالي لجمع حطام الدنيا ثم راح وتركه لغيره وأصبح رهين أعماله .. إن حياتنا في عمر الزمن ثواني معدودة، ينخدع فيها من ينخدع، ويوفق فيها من يريد الله به الخير والرفعة. إنه نعيم زائل ومظاهر خادعة يقول عنها ربنا جل وعلا: "واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدراً"، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء"، كل الدنيا منذ البدء وحتى النهاية بما فيها من كنوز وموارد وجنات وقصور لا تساوي جناح بعوضة. يوالها من سعادة عظيمة عندما يضع الانسان الدنيا في يده ويطردها من قلبه..يحلق المرء عالياً عندما يملك الدنيا ولا تملكه، وعندما يسخر جاهه وماله ومواهبه كلها لا من أجل مكاسب دنيوية وإنما من أجل تحصيل علم، ونصر حقيقة، ونشر لغة، ونفع أمة، ونشر معروف، وإزهاق باطل، وحماية أعراض. مساكين أولئك الذين يشغلون أنفسهم والناس بهزيل الفعل والقول، ومساكين أخرى لأنهم حرموا أنفسهم اللذة الكبرى والأنس الأعظم، ومساكين ثالثة لأنهم طلبوا نعيم الدنيا وارتكبوا في تحصيله الموبقات ونسوا نعيم الجنة الذي يرفع إلى العمل الصالح، ومساكين رابعة لأنهم لم يتبعوا سبيل المؤمنين ويسيروا في طريقهم فكانت النتيجة ضياع البداية والنهاية..وهذه حال الدنيا مع أهلها فهل نعتبر؟
زيارات المقال 899 | مقالات الكاتب 154